ابن الجوزي
13
زاد المسير في علم التفسير
ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله ذلك هدى الله يهدي به من يشاء ومن يضلل الله فما له من هاد ( 23 ) قوله تعالى : ( الله نزل أحسن الحديث ) يعني القرآن ، وقد ذكرنا سبب نزولها في أول [ سورة ] ( يوسف ) . قوله تعالى : ( كتابا متشابها ) فيه قولان : أحدهما : أن بعضه يشبه بعضا في الآي والحروف ، فالآية تشبه الآية ، والكلمة تشبه الكلمة ، والحرف يشبه الحرف . والثاني : أن بعضه يصدق بعضا ، فليس فيه اختلاف ولا تناقض . وإنما قيل له : ( مثاني ) لأنه كررت فيه القصص والفرائض والحدود والثواب والعقاب . فإن قيل : ما الحكمة في تكرار القصص ، والواحدة قد كانت تكفي ؟ فالجواب : أن وفود العرب كانت ترد على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقرئهم المسلمون شيئا من القرآن ، فيكون ذلك كافيا لهم ، وكان يبعث إلى القبائل المتفرقة بالسور المختلفة ، فلو لم تكن الأنباء والقصص مثناة مكررة ، لوقعت قصة موسى إلى قوم ، وقصة عيسى إلى قوم ، وقصة نوح إلى قوم ، فأراد الله تعالى أن يشهر هذه القصص في أطراف الأرض ويلقيها إلى كل سمع . فأما فائدة تكرار الكلام من جنس واحد ، كقوله [ تعالى ] : ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) [ الرحمن ] ، وقوله : ( لا أعبد ما تعبدون ) ، وقوله [ تعالى ] : ( أولى لك فأولى ) ( وما أدارك ما يوم الدين ) فسنذكرها في سورة ( الرحمن ) عز وجل . قوله تعالى : ( تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ) أي : تأخذهم قشعريرة ، وهو تغير يحدث في جلد الإنسان من الوجل . وروى العباس بن عبد المطلب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا اقشعر جلد العبد من خشية الله ، تحاتت ذنوبه كما يتحات عن الشجرة اليابسة ورقها " . وفي معنى الآية ثلاثة أقوال :