ابن الجوزي

116

زاد المسير في علم التفسير

قال قتادة : لما قطع موسى عليه السلام البحر ، عطف يضرب البحر بعصاه ليلتئم ، وخاف أن يتبعه فرعون وجنوده ، فقيل له : " واترك البحر رهوا " - أي كما هو - طريقا يابسا . قوله تعالى : ( إنهم جند مغرقون ) أخبره الله عز وجل بغرقهم ثم ليطمئن قلبه في ترك البحر على حاله . ( كم تركوا ) أي : بعد غرقهم ( من جنات ) وقد فسرنا الآية في الشعراء . فأما " النعمة " فهو العيش اللين الرغد . وما بعد هذا قد سبق بيانه إلى قوله : ( وأورثناها قوما آخرين ) يعني بني إسرائيل . ( فما بكت عليهم السماء ) أي : على آل فرعون وفي معناه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه على الحقيقة ، روى أنس بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " ما من مسلم إلا وله في السماء بابان ، باب يصعد فيه عمله ، وباب ينزل منه رزقه ، فإذا مات بكيا عليه " وتلا صلى الله عليه وسلم هذه الآية . وقال علي رضي الله عنه : إن المؤمن إذا مات بكى عليه مصلاه من الأرض ومصعد عمله من السماء ، وإن آل فرعون لم يكن لهم في الأرض مصلى ولا في السماء مصعد عمل ، فقال الله تعالى : ( فما بكت عليهم السماء والأرض ) ، وإلى نحو هذا ذهب ابن عباس ، والضحاك ، ومقاتل . وقال ابن عباس : الحمرة التي في السماء : بكاؤها . وقال مجاهد : ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحا ، فقيل له : أو تبكي ؟ قال : وما للأرض لا تبكي على عبد كان يعمرها بالركوع والسجود ؟ ! وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتسبيحه وتكبيره فيها دوي كدوي النحل ؟ ! . والثاني : أن المراد : أهل السماء وأهل الأرض ، قاله الحسن ، ونظير هذا قوله تعالى : ( حتى تضع الحرب أوزارها ) ، أي : أهل الحرب . والثالث : أن العرب تقول إذا أرادت تعظيم مهلك عظيم : أظلمت الشمس له ، وكسف القمر لفقده ، وبكته الريح والبرق والسماء والأرض ، يريدون المبالغة في وصف المصيبة ، وليس ذلك بكذب منهم ، لأنهم جميعا متواطئون عليه ، والسامع له يعرف مذهب القائل فيه ، ونيتهم في قولهم : أظلمت الشمس ، كادت تظلم ، وكسف القمر : كاد يكسف ، ومعنى " كاد " : هم أن يفعل ولم يفعل ، قال ابن مفرغ يرثي رجلا : الريح تبكي شجوه * والبرق رسول يلمع في غمامه