ابن الجوزي

65

زاد المسير في علم التفسير

فلما فرغ الهدهد من كلامه ( قال سننظر ) فيما أخبرتنا به ( أصدقت ) فيما قلت ( أم كنت من الكاذبين ) وإنما شك في خبره ، لأنه أنكر أن يكون لغيره في الأرض سلطان . ثم كتب كتابا وختمه بخاتمه ودفعه إلى الهدهد وقال : ( اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ) قرأ ابن كثير ، وابن عامر ، والكسائي : " فألقهي " موصولة بياء . وقرأ أبو عمرو ، وعاصم ، وأبو جعفر ، وحمزة : " فألقه " بسكون الهاء ، وروى قالون عن نافع : كسر الهاء من غير إشباع ، ويعني إلى أهل سبأ ، ( ثم تول عنهم ) فيه قولان : أحدهما : أعرض . والثاني : انصرف ، ( فانظر ماذا يرجعون ) أي : ماذا يردون من الجواب . فإن قيل : إذا تولى عنهم فكيف يعلم جوابهم ؟ فعنه جوابان : أحدهما : أن المعنى : ثم تول عنهم مستترا من حيث لا يرونك ، فانظر ماذا يردون من الجواب ، وهذا قول وهب بن منبه . والثاني : أن في الكلام تقديما وتأخيرا ، تقديره : فانظر ماذا يرجعون ثم تول عنهم ، وهذا مذهب ابن زيد . قال قتادة : أتاها الهدهد وهي نائمة فألقى الكتاب على نحرها فقرأته وأخبرت قومها . وقال مقاتل : حمله بمنقاره حتى وقف على رأس المرأة ، فرفرف ساعة والناس ينظرون ، فرفعت رأسها فألقي الكتاب في حجرها ، فلما رأت الخاتم أرعدت وخضعت وخضع من معها من الجنود . واختلفوا لأي علة سمته كريما على سبعة أقوال : أحدها : لأنه كان مختوما ، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس أيضا . والثاني ، لأنها ظنته من عند الله عز وجل ، روي عن ابن عباس أيضا . والثالث : أن معنى قولها : " كريم " حسن ما فيه ، قاله قتادة ، والزجاج . والرابع : لكلام صاحبه ، فإنه كان ملكا ، ذكره ابن جرير . والخامس : لأنه كان مهيبا ، ذكره أبو سليمان الدمشقي . والسادس : لتسخير الهدهد لحمله ، حكاه الماوردي . والسابع : لأنها رأت في صدره " بسم الله الرحمن الرحيم " ، حكاه الثعلبي . قوله تعالى : ( إنه من سليمان ) أي : إن الكتاب من عنده ( وإنه ) أي : وإن المكتوب ( بسم الله الرحمن الرحيم ، ألا تعلوا علي ) أي : لا تتكبروا . وقرأ ابن عباس : " تغلوا " بغين معجمة وأتوني ( مسلمين ) : منقادين طائعين . ثم استشارت قومها ، ف‍ ( قالت يا أيها الملأ ) يعني الأشراف ، وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر قائدا ، كل رجل منهم على عشرة آلاف . وقال ابن عباس : كان معها مائة