ابن الجوزي

59

زاد المسير في علم التفسير

الخوف على غيرهم ، إلا من ظلم ، فتكون " من " مستثناة . وقال ابن جرير : في الآية محذوف ، تقديره : إلا من ظلم ، فمن ظلم ثم بدل حسنا . والثالث : أن " إلا " بمعنى الواو ، فهو كقوله [ تعالى ] : ( لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم ) ، حكاه الفراء عن بعض النحويين ، ولم يرضه . وقرأ أبي بن كعب ، وسعيد بن جبير ، والضحاك ، وعاصم الجحدري ، وابن يعمر : " ألا من ظلم " بفتح الهمزة وتخفيف اللام . وللمفسرين في المراد بالظلم هاهنا قولان : أحدهما : المعاصي . والثاني : الشرك . ومعنى " حسنا " توبة وندما . وقرأ ابن مسعود ، والضحاك ، وأبو رجاء ، والأعمش ، وابن السميفع ، وعبد الوارث عن أبي عمرو : " حسنا " بفتح الحاء والسين ( بعد سوء ) أي : بعد إساءة وقيل : الإشارة بهذا إلى أن موسى وإن كان قد ظلم نفسه بقتل القبطي ، فإن الله يغفر له ، لأنه ندم على ذلك وتاب . قوله تعالى : ( وأدخل يدك في جيبك ) الجيب حيث جيب من القميص ، أي : قطع . قال ابن جرير : إنما أمر بادخاله يده في جيبه ، لأنه كان عليه حينئذ مدرعة من صوف ليس لها كم . والسوء : البرص . قوله تعالى : ( في تسع آيات ) قال الزجاج : " في " من صلة قوله : " وألق عصاك " " وأدخل يدك " ، فالتأويل : أظهر هاتين الآيتين في تسع آيات . و " في " بمعنى " من " ، فتأويله : من تسع آيات ، تقول : خذ لي عشرا من الإبل فيها فحلان ، أي : منها فحلان . وقد شرحنا الآيات في بني إسرائيل قوله تعالى : ( إلى فرعون ) أي : مرسلا إلى فرعون وقومه ، فحذف ذلك لأنه معروف . ( فلما جاءتهم آياتنا مبصرة ) أي : بينة واضحة ، وهو كقوله [ تعالى ] : ( وآتينا ثمود الناقة مبصرة ) وقد شرحناه . قوله تعالى : ( قالوا هذا ) أي : هذا الذي نراه عيانا ( سحر مبين ) . ( وجحدوا بها ) أي : أنكروها ( واستيقنتها أنفسهم ) أنها من عند الله ، ( ظلما ) أي : شركا وعلوا ) أي : تكبرا . وقال الزجاج : المعنى : وجحدوا بها ظلما وعلوا ، أي : ترفعا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى وهم يعلمون أنها من عند الله . ولقد آتينا داود وسليمان علما وقالا الحمد لله الذي فضلنا على كثير من عباده