ابن الجوزي
26
زاد المسير في علم التفسير
بها ، وب ( إنا فتحنا لك فتحا مبينا ) . قوله تعالى : ( فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ) اختلفوا في كيفية هذا التبديل وفي زمان كونه ، فقال ابن عباس : يبدل الله شركهم إيمانا ، وقتلهم إمساكا ، وزناهم إحصانا ، وهذا يدل : أولا : على أنه يكون في الدنيا ، وممن ذهب إلى هذا المعنى سعيد بن جبير ، ومجاهد ، وقتادة ، والضحاك ، وابن زيد . والثاني : أن هذا يكون في الآخرة ، قاله سلمان رضي الله عنه ، وسعيد بن المسيب ، وعلي بن الحسين . وقال عمرو بن ميمون : يبدل الله سيئات المؤمن إذا غفرها له حسنات ، حتى إن العبد يتمنى أن تكون سيئاته أكثر مما هي . وعن الحسن كالقولين . وروي عن الحسن أنه قال : ود قوم يوم القيامة أنهم كانوا في الدنيا استكثروا من الذنوب ، فقيل : من هم ؟ قال : هم الذين قال الله تعالى فيهم : ( فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات ) ، ويؤكد هذا القول حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم : " يؤتى بالرجل يوم القيامة ، فيقال : اعرضوا عليه صغار ذنوبه ، فتعرض عليه صغار ذنوبه وتنحى عنه كبارها ، فيقال : عملت يوم كذا ، كذا ، وهو مقر لا ينكر ، وهو مشفق من الكبار ، فيقال : أعطوه مكان كل سيئة عملها حسنة " ، أخرجه مسلم في " صحيحه " . ومن تاب وعمل صالحا فإنه يتوب إلى الله متابا ( 71 ) والذين لا يشهدون الزور وإذا مروا باللغو مروا كراما ( 72 ) والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا ( 73 ) والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما ( 74 ) قوله تعالى : ( ومن تاب ) ظاهر هذه التوبة أنها عن الذنوب المذكورة . وقال ابن عباس : يعني : ممن لم يقتل ولم يزن ، ( وعمل صالحا ) فإني قد قدمتهم وفضلتهم على من قاتل نبيي واستحل محارمي . قوله تعالى : ( فإنه يتوب إلى الله متابا ) قال ابن الأنباري : معناه : من أراد التوبة وقصد حقيقتها ، فينبغي له أن يريد الله بها ولا يخلط بها ما يفسدها ، وهذا كما يقول الرجل : من تجر فإنه يتجر في البز ، ومن ناظر فإنه يناظر في النحو ، أي : من أراد ذلك ، فينبغي أن يقصد هذا الفن ، قال : ويجوز أن يكون معنى الآية : ومن تاب وعمل صالحا ، فإن ثوابه وجزاءه يعظمان له عند ربه الذي أراد بتوبته ، فلما كان قوله : " فإنه يتوب إلى الله متابا " يؤدي عن هذا المعنى ، كفى منه ، وهذا كما يقول الرجل للرجل : إذا تكلمت فاعلم أنك تكلم من يعرف كلامك ويجازيك ، ومثله قوله تعالى : ( إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت ) ، أي : فإني أتوكل على