ابن الجوزي
201
زاد المسير في علم التفسير
والثاني : أنها نزلت في أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ، وكانت أول امرأة هاجرت ، فوهبت نفسها لرسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، فقال : " قد قبلتك " ، وزوجها زيد بن حارثة ، فسخطت هي وأخوها ، وقالا : إنما أردنا رسول الله ، فزوجها عبده ؟ ! فنزلت هذه الآية ، قاله ابن زيد . والأول عند المفسرين أصح . قوله تعالى : ( إذا قضى الله ورسوله أمرا ) أي : حكما بذلك ( أن تكون ) وقرأ أهل الكوفة : " أن يكون " بالياء ( لهم الخيرة ) وقرأ أبو مجلز ، وأبو رجاء : " الخيرة " باسكان الياء ، فجمع في الكناية في قوله [ تعالى ] : " هم " ، لأن المراد جميع المؤمنين والمؤمنات ، والخيرة : الاختيار ، فأعلم الله عز وجل أنه لا اختيار على ما قضاه الله ورسوله . فلما زوجها رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] زيدا مكثت عنده حينا ، ثم إن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] أتى منزل زيد فنظر إليها وكانت بيضاء جميلة من أتم نساء قريش ، فوقعت في قلبه ، فقال : " سبحان الله مقلب القلوب " ، وفطن زيد ، فقال : يا رسول الله ائذن لي في طلاقها ، وقال بعضهم : أتى رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] منزل زيد ، فرأى زينب ، فقال : " سبحان مقلب القلوب " ، فسمعت ذلك زينب ، فلما جاء زيد ذكرت له ذلك ، فعلم أنها قد وقعت في نفسه ، فأتاه فقال : يا رسول الله ائذن لي في طلاقها . وقال ابن زيد : جاء رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] إلى باب زيد - وعلى الباب ستر من شعر - فرفعت الريح الستر ، فرأى زينب ، فلما وقعت في قلبه كرهت إلى الآخر ، فجاء فقال : يا رسول الله أريد فراقها ، فقال : " اتق الله " . وقال مقاتل : لما فطن زيد لتسبيح رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ، قال : يا رسول الله ائذن لي في طلاقها ، فإن فيها كبرا ، فهي تعظم علي وتؤذيني بلسانها ، فقال له النبي [ صلى الله عليه وسلم ] : " أمسك عليك زوجك واتق الله " . ثم إن زيدا طلقها بعد ذلك ، فأنزل الله تعالى : ( وإذ تقول للذي أنعم الله عليه ) بالإسلام ( وأنعمت عليه ) بالعتق . قوله تعالى : ( واتق الله ) أي : في أمرها فلا تطلقها ( وتخفي في نفسك ) أي : تسر وتضمر في قلبك ( ما الله مبديه ) أي : مظهره ، وفيه أربعة أقوال : أحدها : حبها ، قاله ابن عباس . والثاني : عهد عهده الله إليه أن زينب ستكون له زوجة ، فلما أتى زيد يشكوها ، قال له : " أمسك عليك زوجك واتق الله " ، وأخفى في نفسه ما الله مبديه ، قاله علي بن الحسين . والثالث : إيثاره لطلاقها ، قاله قتادة ، وابن جريج ، ومقاتل . والرابع : أن الذي أخفاه : إن طلقها زيد تزوجتها ، قاله ابن زيد .