ابن الجوزي
190
زاد المسير في علم التفسير
فأما عند البأس ، فأجبن قوم وأخذله للحق ، وأما عند الغنيمة ، فأشح قوم . وفى المراد بالخير هاهنا ثلاثة أقوال : أحدها : أنه الغنيمة . والثاني : على المال أن ينفقوه في سبيل الله [ تعالى ] . والثالث : على رسول الله [ صلى الله عليه وآله وسلم ] بظفره . قوله تعالى : ( أولئك لم يؤمنوا ) أي : هم وإن أظهروا الإيمان فليسوا بمؤمنين ، لنفاقهم ( فأحبط الله أعمالهم ) قال مقاتل أي : أبطل جهادهم ، لأنه لم يكن في إيمان ( وكان ذلك ) الإحباط ( على الله يسيرا ) . ثم أخبر عنهم بما يدل على جبنهم ، فقال : ( يحسبون الأحزاب لم يذهبوا ) أي : يحسب المنافقون من شدة خوفهم وجبنهم أن الأحزاب بعد انهزامهم وذهابهم لم يذهبوا ، ( وإن يأت الأحزاب ) أي : يرجعوا إليهم كرة ثانية للقتال ( يودوا لو أنهم بأدون في الأعراب ) أي : يتمنوا لو كانوا في بادية الأعراب من خوفهم ، ( يسألون عن أنبائكم ) أي : ودوا لو أنهم بالبعد منكم يسألون عن أخباركم ، فيقولون : ما فعل محمد وأصحابه ، ليعرفوا حالكم بالاستخبار لا بالمشاهدة ، فرقا وجبنا ، وقيل : بل يسألون شماتة بالمسلمين وفرحا بنكباتهم ( ولو كانوا فيكم ) أي : لو كانوا يشهدون القتال معكم ( ما قاتلوا إلا قليلا ) فيه قولان : أحدهما : إلا رميا بالحجارة ، قاله ابن السائب . والثاني : إلا رياء من غير احتساب ، قاله مقاتل . ثم عاب من تخلف بالمدينة بقوله [ تعالى ] : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) أي : قدوة صالحة . والمعنى : لقد كان لكم به اقتداء لو اقتديتم به في الصبر معه كما صبر يوم أحد حتى كسرت رباعيته وشج جبينه وقتل عمه ، وواساكم مع ذلك بنفسه . وقرأ عاصم : " أسوة " بضم الألف ، والباقون بكسر الألف ، وهما لغتان . قال الفراء : أهل الحجاز وأسد يقولون : " إسوة " بالكسر ، وتميم وبعض قيس يقولون : " أسوة " بالضم . وخص الله [ تعالى ] بهذه الأسوة المؤمنين ، فقال : ( لمن كان يرجو الله واليوم الآخر ) والمعنى أن الأسوة برسول الله [ صلى الله عليه وآله وسلم ] إنما كانت لمن كان يرجو الله وفيه قولان : أحدهما : يرجو ما عنده من الثواب والنعيم ، قاله ابن عباس . والثاني : يخشى الله [ عز وجل ] ويخشى البعث ، قاله مقاتل .