ابن الجوزي
189
زاد المسير في علم التفسير
أن لا يجدوا بدا ، فيأتون ليرى الناس وجوههم ، فإذا غفل عنهم عادوا إلى المدينة ، فنزلت هذه الآية ، قاله ابن السائب . والمعوق : المثبط ، تقول : عاقني فلان ، واعتاقني ، وعوقني : إذا منعك عن الوجه الذي تريده . وكان المنافقون يعوقون عن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] نصاره . قوله تعالى : ( والقائلين لإخوانهم هلم إلينا ) فيهم ثلاثة أقوال : أحدها : أنه المنافق الذي قال لأخيه ما ذكرناه في قول ابن زيد . والثاني : أنهم اليهود دعوا إخوانهم من المنافقين إلى ترك القتال ، قاله مقاتل . والثالث : أنهم المنافقون دعوا المسلمين إليهم عن رسول الله [ صلى الله عليه وآله وسلم ] ، حكاه الماوردي . قوله تعالى : ( ولا يأتون البأس ) أي : لا يحضرون القتال في سبيل الله [ عز وجل ] ( إلا قليلا ) للرياء والسمعة من غير احتساب ، ولو كان ذلك الله [ عز وجل ] لكان كثيرا . قوله تعالى : ( أشحة عليكم ) قال الزجاج : هو منصوب على الحال . المعنى : لا يأتون الحرب إلا تعذيرا ، بخلاء عليكم . وللمفسرين فيما شحوا به أربعة أقوال : أحدها : أشحة بالخير ، قاله مجاهد . والثاني : بالنفقة في سبيل الله [ عز وجل ] . والثالث : بالغنيمة ، رويا عن قتادة . وقال الزجاج : بالظفر والغنيمة . والرابع : بالقتال معكم ، حكاه الماوردي . ثم أخبر عن جبنهم فقال : ( فإذا جاء الخوف ) أي : إذا حضر القتال ( رأيتهم ينظرون إليك تدور أعينهم كالذي يغشى عليه ) من الموت أي : كدوران عين الذي يغشى عليه من الموت ، وهو الذي دنا موته وغشيته أسبابه ، فإنه يخاف ويذهل عقله ويشخص بصره فلا يطرف ، فكذلك هؤلاء ، لأنهم يخافون القتل . ( فإذا ذهب الخوف سلقوكم ) قال الفراء : يقول آذوكم بالكلام في الأمن ( بألسنة حداد ) سليطة ذربة ، والعرب تقول : صلقوكم ، بالصاد ، ولا يجوز في القراءة ، هذا قول الفراء . وقد قرأ بالصاد أبي بن كعب ، وأبو الجوزاء ، وأبو عمران الجوني ، وابن أبي عبلة في آخرين وقال الزجاج : معنى " سلقوكم " : خاطبوكم أشد مخاطبة وأبلغها في الغنيمة ، يقال : خطيب مسلاق : إذا كان بليغا في خطبته ( أشحة على الخير ) أي : خاطبوكم وهم أشحة على المال والغنيمة . قال قتادة : إذا كان وقت قسمة الغنيمة ، بسطوا ألسنتهم فيكم ، يقولون : أعطونا فلستم أحق بها منا ،