ابن الجوزي

93

زاد المسير في علم التفسير

قوله تعالى : * ( واتل ما أوحي إليك ) * في هذه التلاوة قولان : أحدهما : أنها بمعنى القراءة . والثاني : بمعنى الاتباع . فيكون المعنى على الأول : اقرأ القرآن ، وعلى الثاني : اتبعه واعمل به . وقد شرحنا في [ سورة ] الأنعام معنى ( لا مبدل لكلماته ) قوله تعالى : * ( ولن تجد من دونه ملتحدا ) * قال مجاهد ، والفراء : ملجأ . وقال الزجاج : معدلا عن أمره ونهيه . وقال غيرهم : موضعا تميل إليه في الالتجاء . قوله تعالى : * ( واصبر نفسك ) * سبب نزولها أن المؤلفة قلوبهم جاؤوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم : عيينة بن حصن ، والأقرع بن حابس ، وذووهم ، فقالوا : يا رسول الله : أنك لو جلست في صدر المجلس ، ونحيت هؤلاء عنا ، - يعنون سلمان وأبا ذر وفقراء المسلمين ، وكانت عليهم جباب الصوف - جلسنا إليك ، وأخذنا عنك ، فنزلت هذه الآية إلى قوله : * ( إنا اعتدنا للظالمين نارا ) * ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم يلتمسهم ، حتى إذا أصابهم في مؤخر المسجد يذكرون الله ، قال : " الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع رجال من أمتي ، معكم المحيا ومعكم الممات " هذا قول سلمان الفارسي . ومعنى قوله : * ( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم ) * أي : احبسها معهم على أداء الصلوات * ( بالغداة والعشي ) * . وقد فسرنا هذه الآية في [ سورة ] الأنعام إلى قوله تعالى : * ( ولا تعد عيناك عنهم ) * أي : لا تصرف بصرك إلى غيرهم من ذوي الغنى والشرف ; وكان عليه السلام حريصا على إيمان الرؤساء ليؤمن أتباعهم ، ولم يكن مريدا لزينة الدنيا قط ، فأمر أن يجعل إقباله على فقراء المؤمنين . قوله تعالى : * ( ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا ) * سبب نزولها أن أمية بن خلف الجمحي ، دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى طرد الفقراء عنه ، وتقريب صناديد أهل مكة ، فنزلت هذه الآية ، رواه الضحاك عن ابن عباس . وفي رواية أخرى عنه أنه قال : هو عيينة وأشباهه . ومعنى " أغفلنا قلبه " : جعلناه غافلا . وقرأ أبو مجلز : " من أغفلنا " بفتح اللام " ، ورفع باء القلب . " عن ذكرنا " : أي عن التوحيد والقرآن والإسلام ، * ( واتبع هواه ) * في الشرك . * ( وكان أمره فرطا ) * فيه أربعة أقوال : أحدها : أنه أفرط في قوله ، لأنه قال : إنا رؤوس مضر ، وإن نسلم يسلم الناس بعدنا ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . والثاني : ضياعا ، قاله مجاهد . وقال أبو عبيدة : سرفا وتضييعا .