ابن الجوزي

9

زاد المسير في علم التفسير

إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها فإذا جاء وعد الآخرة ليسئوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا " 7 " عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا " 8 " قوله تعالى : * ( إن أحسنتم ) * أي : وقلنا لكم إن أحسنتم فأطعتم الله * ( أحسنتم لأنفسكم ) * أي : عاقبة الطاعة لكم * ( وإن أسأتم ) * بالفساد والمعاصي * ( فلها ) * وفيه قولان : أحدهما : أنه بمعنى : فإليها . والثاني : فعليها . * ( فإذا جاء وعد الآخرة ) * جواب " فإذا " محذوف ، تقديره : فإذا جاء وعد عقوبة المرة الآخرة من إفسادكم ، بعثناهم ليسوءوا وجوهكم ، وهذا الفساد الثاني ، هو قتلهم يحيى بن زكريا ، وقصدهم قتل " عيسى " فرفع ، وسلط الله عليهم ملوك فارس والروم فقتلوهم وسبوهم ، فذلك قوله [ تعالى ] : * ( ليسوءوا وجوهكم ) * . قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وحفص عن عاصم : " ليسوؤوا " بالياء على الجميع والهمز بين الواوين ، والإشارة إلى المبعوثين . وقرأ ابن عامر ، وحمزة ، وأبو بكر عن عاصم : " ليسوء وجوهكم " على التوحيد ; قال أبو علي : فيه وجهان . أحدهما : ليسوء الله عز وجل . والثاني : ليسوء البعث . وقرأ الكسائي : " لنسوء " بالنون ، وذلك راجع إلى الله تعالى . وفيمن بعث عليهم في المرة الثانية قولان : أحدهما : بختنصر ، قاله مجاهد ، وقتادة . وكثير من الرواة يأبى هذا القول ، ويقولون : كان بين تخريب " بختنصر " بيت المقدس ، وبين مولد يحيى بن زكريا زمان طويل . والثاني : انطياخوس الرومي قاله مقاتل . ومعنى * ( ليسوءوا وجوهكم ) * أي : ليدخلوا عليكم الحزن بما يفعلون من قتلكم وسبيكم ، وخصت المساءة بالوجوه ، والمراد : أصحاب الوجوه ، لما يبدو عليها من أثر الحزن والكآبة . قوله تعالى : * ( وليدخلوا المسجد ) * يعني : بيت المقدس * ( كما دخلوه ) * في المرة الأولى * ( وليتبروا ) * أي : ليدمروا ويخربوا . قال الزجاج : يقال لكل شئ ينكسر من الزجاج والحديد والذهب : تبر . ومعنى * ( ما علوا ) * أي : ليدمروا في حال علوهم عليكم . قوله تعالى : * ( عسى ربكم أن يرحمكم ) * هذا مما وعدوا ، به في التوراة ، و " عسى " من الله واجبة فرحمهم الله بعد انتقامه منهم ، وعمر بلادهم ، وأعاد نعمهم بعد سبعين سنة . * ( وإن