ابن الجوزي
59
زاد المسير في علم التفسير
أحدهما : أنها اليهود ، قاله الأكثرون . والثاني : أنهم جميع الخلق ، علمهم قليل بالإضافة إلى علم الله عز وجل ، ذكره الماوردي . فإن قيل : كيف الجمع بين هذه الآية ، وبين قوله تعالى : * ( ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيرا كثيرا ) * ؟ فالجواب : أن ما أوتيه الناس من العلم ، وإن كان كثيرا ، فهو بالإضافة إلى علم الله قليل . ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ثم لا تجد لك به علينا وكيلا " 86 " إلا رحمة من ربك إن فضله كان عليك كبيرا " 87 " قوله تعالى : * ( ولئن شئنا لنذهبن بالذي أوحينا إليك ) * قال الزجاج : المعنى : لو شئنا لمحوناه من القلوب والكتب ، حتى لا يوجد له أثر ، * ( ثم لا تجد لك به علينا وكيلا ) * أي لا تجد من يتوكل عليه في رد شئ منه ، * ( إلا رحمة من ربك ) * هذا استثناء ليس من الأول ، والمعنى : لكن الله رحمك فأثبت ذلك في قلبك وقلوب المؤمنين . وقال ابن الأنباري : المعنى : لكن رحمة من ربك تمنع من أن تسلب القرآن ، وكان المشركون قد خاطبوا نساءهم من المسلمين في الرجوع إلى دين آبائهم ، فهددهم الله عز وجل بسلب النعمة ، فكان ظاهر الخطاب للرسول ، ومعنى التهدد للأمة . وقال أبو سليمان : " ثم لا تجد لك به " أي : بما نفعله بك ، من إذهاب ما عندك " وكيلا " يدفعنا عما نريده بك . وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال : يسرى على القرآن في ليلة واحدة ، فيجئ جبريل من جوف الليل ، فيذهب به من صدورهم ومن بيوتهم ، فيصبحون لا يقرؤون آية ، ولا يحسنونها . ورد أبو سليمان الدمشقي صحة هذا الحديث بقوله عليه الصلاة والسلام : " إن الله لا يقبض العلم انتزاعا " وحديث ابن مسعود مروي من طرق حسان ، فيحتمل أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم أراد بالعلم ما سوى القرآن ، فإن العلم ما يزال ينقرض حتى يكون رفع القرآن آخر الأمر . قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا " 88 "