ابن الجوزي
60
زاد المسير في علم التفسير
قوله تعالى : * ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن ) * قال المفسرون : هذا تكذيب للنضر بن الحارث حين قال : " لو شئنا لقلنا مثل هذا " . والمثل الذي طلب منهم : كلام له نظم كنظم القرآن ، في أعلى طبقات البلاغة . والظهير : المعين . ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا " 89 " وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا " 90 " أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا " 91 " أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا " 92 " أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا " 93 " قوله تعالى : * ( ولقد صرفنا للناس في هذا القرآن ) * قد فسرناه في هذه السورة ، والمعني : من كل مثل من الأمثال التي يكون بها الاعتبار * ( فأبى أكثر الناس ) * يعني أهل مكة * ( إلا كفورا ) * أي : جحودا للحق وإنكارا . قوله تعالى : * ( وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا ) * سبب نزول هذه الآية وما يتبعها ، أن رؤساء قريش ، كعتبة ، وشيبة ، وأبي جهل ، وعبد الله بن أبي أمية ، والنضر بن الحارث في آخرين ، اجتمعوا عند الكعبة ، فقال بعضهم لبعض : ابعثوا إلى محمد فكلموه وخاصموه حتى تعذروا فيه ، فبعثوا إليه : إن أشراف قومك قد اجتمعوا ليكلموك ، فجاءهم سريعا ، وكان حريصا على رشدهم ، فقالوا : يا محمد ، إنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك ، لقد شتمت الآباء ، وعبت الدين ، وسفهت الأحلام ، وفرقت الجماعة ، فإن كنت إنما جئت بهذا لتطلب مالا ، جعلنا لك من أموالنا ما تكون به أكثر مالا ، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا ، سودناك علينا ، وإن كان هذا الرئي الذي يأتيك قد غلب عليك ، بذلنا أموالنا في طلب الطب لك حتى نبرئك منه ، أو نعذر فيك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن تقبلوا منى ما جئتكم به ، فهو حظكم في الدنيا والآخرة ، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم " . قالوا يا محمد ، فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا ، فقد علمت أنه ليس من الناس أحد أضيق بلادا ولا أشد عيشا منا ، سل لنا ربك يسير لنا هذه الجبال التي ضيقت علينا ، ويجري لنا أنهارا ، ويبعث من مضى من آبائنا ،