ابن الجوزي
58
زاد المسير في علم التفسير
ويسئلونك عن الروح قل الروح من أمر ربي وما أوتيتم من العلم إلا قليلا " 85 " قوله تعالى : * ( ويسألونك عن الروح ) * في سبب نزولها قولان : أحدهما : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر بناس من اليهود ، فقالوا : سلوه عن الروح ، فقال بعضهم : لا تسألوه ، فيستقبلكم بما تكرهون . فأتاه نفر منهم ، فقالوا : يا أبا القاسم : ما تقول في الروح ؟ فسكت ، ونزلت هذه الآية ، قاله ابن مسعود . والثاني : أن اليهود قالت لقريش : سلوا محمدا عن ثلاث ، فإن أخبركم عن اثنتين وأمسك عن الثالثة فهو نبي ; سلوه عن فتية فقدوا ، وسلوه عن ذي القرنين ، وسلوه عن الروح . فسألوه عنها ، ففسر لهم أمر الفتية في الكهف ، وفسر لهم قصة ذي القرنين ، وأمسك عن قصة الروح ، فنزلت هذه الآية ، رواه عطاء عن ابن عباس . وفي المراد بالروح هاهنا ستة أقوال : أحدها : أنه الروح الذي يحيا به البدن ، روى هذا المعنى العوفي عن ابن عباس . وقد اختلف الناس في ماهية الروح ، ثم اختلفوا هل الروح النفس ، أم هما شيئان فلا يحتاج إلى ذكر اختلافهم لأنه لا برهان على شئ من ذلك وإنما هو شئ أخذوه عن الطب والفلاسفة ؟ فأما السلف ، فإنهم أمسكوا عن ذلك ، لقوله تعالى : * ( قل الروح من أمر ربي ) * ، فلما رأوا أن القوم سألوا عن الروح فلم يجابوا ، والوحي ينزل ، والرسول حي ، علموا أن السكوت عما لم يحط بحقيقة علمه أولى . والثاني : أن المراد بهذا الروح ; ملك من الملائكة على خلقه هائلة ، روي عن علي عليه السلام ، وابن عباس ، ومقاتل . والثالث : أن الروح : خلق من خلق الله عز وجل صورهم على صور بني آدم ، رواه مجاهد عن ابن عباس . والرابع : أنه جبريل عليه السلام ، قاله الحسن ، وقتادة . والخامس : أنه القرآن ، روي عن الحسن أيضا . والسادس : أنه عيسى ابن مريم ، حكاه الماوردي . قال أبو سليمان الدمشقي : قد ذكر الله تعالى الروح في مواضع من القرآن ، فغالب ظني أن الناقلين نقلوا تفسيره من موضعه إلى موضع لا يليق به ، وظنوه مثله ، وإنما هو الروح الذي يحيى به ابن آدم . وقوله تعالى : * ( من أمر ربي ) * أي : من عمله الذي منع أن يعرفه أحد . قوله تعالى : * ( وما أوتيتم من العلم إلا قليلا ) * في المخاطبين بهذا قولان :