ابن الجوزي
57
زاد المسير في علم التفسير
والثاني : سبب الرحمة . قوله تعالى : * ( ولا يزيد الظالمين ) * يعني المشركين * ( إلا خسارا ) * لأنهم يكفرون به ، ولا ينتفعون بمواعظه ، فيزيد خسرانهم . وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونئا بجانبه وإذ مسه الشر كان يئوسا " 83 " قل كل يعمل على شا كلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا " 84 " قوله تعالى : * ( وإذا أنعمنا على الإنسان ) * قال ابن عباس : الإنسان هاهنا : الكافر ، والمراد به الوليد بن المغيرة . قال المفسرون : وهذا الإنعام : سعة الرزق ، وكشف البلاء . * ( ونأى بجانبه ) * قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وحفص عن عاصم : " ونأى " على وزن " نعى " بفتح النون والهمزة . وقرأ ابن عامر : " ناء " مثل " باع " . وقرأ الكسائي ، وخلف عن سليم عن حمزة : " وناء " بإماله النون والهمزة . وروى خلاد عن سليم : " نئي " بفتح النون ، وكسر الهمزة ، والمعنى : تباعد عن القيام بحقوق النعم ، وقيل : تعظم وتكبر . * ( وإذا مسه الشر ) * أي : نزل به البلاء والفقر * ( كان يؤوسا ) * أي : قنوطا شديد اليأس ، لا يرجو فضل الله . قوله تعالى : * ( قل كل يعمل على شاكلته ) * فيها ثلاثة أقوال : أحدها : على ناحيته ، قاله ابن عباس ، وسعيد بن جبير . قال الفراء : الشاكلة : الناحية ، والجديلة ، والطريقة ، سمعت بعض العرب يقول : وعبد الملك إذ ذاك على جديلته ، وابن الزبير على جديلته ، يريد : على ناحيته . وقال أبو عبيدة : على ناحيته وخليقته . وقال ابن قتيبة : على خليقته وطبيعته ، وهو من الشكل . يقال : لست على شكلي ، ولا شاكلتي . وقال الزجاج : على طريقته ، وعلى مذهبه . والثاني : على نيته ; قاله الحسن ، ومعاوية بن قرة . وقال الليث : الشاكلة من الأمور : ما وافق فاعله . والثالث : على دينه ، قاله ابن زيد . وتحرير المعنى : أن كل واحد يعمل على طريقته التي تشاكل أخلاقه ، فالكافر يعمل ما يشبه طريقته من الإعراض عند النعم واليأس عند الشدة ، والمؤمن يعمل ما يشبه طريقته من الشكر عند الرخاء والصبر عند البلاء ، والله يجازي الفريقين . وذكر أبو صالح عن ابن عباس : أن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى : * ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) * ، وليس بشئ .