ابن الجوزي
50
زاد المسير في علم التفسير
ومعنى الكلام : كادوا يفتنونك ، ودخلت " إن " واللام للتوكيد . قال المفسرون : وإنما قال : " ليفتنونك " ، لأن في إعطائهم ما سألوا مخالفة لحكم القرآن . قوله تعالى : * ( لتفتري ) * أي : لتختلق * ( علينا غيره ) * وهو قولهم : قل الله أمرني بذلك ، * ( وإذا ) * لو فعلت ذلك * ( لاتخذوك خليلا ) * أي : والوك وصافوك . قوله تعالى : * ( ولولا أن ثبتناك ) * على الحق ، لعصمتنا إياك * ( لقد كدت تركن إليهم ) * أي : هممت وقاربت أن تميل إلى مرادهم * ( شيئا قليلا ) * قال ابن عباس : وذلك حين سكت عن جوابهم ، والله أعلم بنيته . وقال ابن الأنباري : الفعل في الظاهر للنبي صلى الله عليه وسلم ، وفي الباطن للمشركين ، وتقديره : لقد كادوا يركنونك إليهم ، وينسبون إليك ما يشتهونه مما تكرهه ، فنسب الفعل إلى غير فاعله عند أمن اللبس ، كما يقول الرجل للرجل : كدت تقتل نفسك اليوم ، يريد : كدت تفعل فعلا يقتلك غيرك من أجله ; فهذا المجاز والاتساع وشبيه بهذا قوله [ تعالى ] : * ( فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون ) * ، وقول القائل : لا أرينك في هذا الموضع . قوله تعالى : * ( إذا لأذقناك ) * المعنى : لو فعلت ذلك الشئ القليل * ( لأذقناك ضعف الحياة ) * أي : ضعف عذاب الحياة * ( وضعف ) * عذاب * ( الممات ) * ، ومثله قول الشاعر : واستب بعدك يا كليب المجلس أي : أهل المجلس . وقال ابن عباس : ضعف عذاب الدنيا والآخرة . وكان رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] معصوما ، ولكنه تخويف لأمته ، لئلا يركن أحد من المؤمنين إلى أحد من المشركين في شئ من أحكام الله وشرائعه . قوله تعالى : * ( وإن كادوا ليستفزونك من الأرض ) * في سبب نزولها قولان : أحدهما : أن رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] لما قدم المدينة ، حسدته اليهود على مقامه بالمدينة ، وكرهوا قربه ، فأتوه ، فقالوا : يا محمد أنبي أنت ؟ قال : نعم ، قالوا : فوالله لقد علمت ما هذه بأرض الأنبياء ، وأن أرض الأنبياء الشام ، فإن كنت نبيا فائت الشام ، فنزلت هذه الآية ، قاله أبو