ابن الجوزي

32

زاد المسير في علم التفسير

" ناجيت " واسم منها ، فوصف القوم بها ، والعرب تفعل ذلك ، كقولهم : إنما هو عذاب ، وأنتم غم ، فجاءت في موضع " متناجين " . وقال الزجاج : والمعنى : وإذ هم ذوو نجوى ، وكانوا يستمعون من رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] ويقولون بينهم : هو ساحر ، وهو مسحور ، وما أشبه ذلك من القول . قوله تعالى : * ( إذ يقول الظالمون ) * يعني : أولئك المشركون * ( إن تتبعون ) * أي : ما تتبعون * ( إلا رجلا مسحورا ) * وفيه ثلاثة أقوال : أحدها : أنه الذي سحر فذهب بعقله ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . والثاني : مخدوعا مغرورا ، قاله مجاهد . والثالث : له سحر ، أي : رئة ; وكل دابة أو طائر أو بشر يأكل فهو : مسحور ومسحر ، لأن له سحرا ، قال لبيد : - فأن تسألينا فيم نحن فإننا * عصافير من هذا الأنام المسحر - وقال امرؤ القيس : - أرانا مرصدين لأمر غيب * ونسحر بالطعام وبالشراب - أي : نغذى ، لأن أهل السماء لا يأكلون ، فأراد أن يكون ملكا . فعلى هذا يكون المعنى : إن تتبعون إلا رجلا به سحر ، خلقه الله كخلقكم ، وليس بملك ، وهذا قول أبي عبيدة . قال ابن قتيبة : والقول قول مجاهد ، لأن السحر حيلة وخديعة ; ومعنى قول لبيد " المسحر " : المعلل ، وقول امرئ القيس : " ونسحر " أي : نعلل ، وكأنا نخدع ، والناس يقولون : سحرتني بكلامك ، أي : خدعتني ، ويدل عليه قوله [ تعالى ] : * ( انظر كيف ضربوا لك الأمثال ) * ، لأنهم لو أرادوا رجلا ذا رئة ، لم يكن في ذلك مثل ضربوه ، فلما أرادوا مخدوعا - كأنه بالخديعة سحر - كان مثلا ضربوه ، وكأنهم ذهبوا إلى أن قوما يعلمونه ويخدعونه . قال المفسرون : ومعنى * ( ضربوا لك الأمثال ) * بينوا لك الأشباه ، حتى شبهوك بالساحر والشاعر والمجنون * ( فضلوا ) * عن الحق ، * ( فلا يستطيعون سبيلا ) * فيه ثلاثة أقوال : أحدها : لا يجدون سبيلا إلى تصحيح ما يعيبونك به . والثاني : لا يستطيعون سبيلا إلى الهدى ، لأنا طبعنا على قلوبهم . والثالث : لا يأتون سبيل الحق ، لثقله عليهم ; ومثله قولهم : لا أستطيع أن أنظر إلى فلان ، يعنون ; أنا مبغض له ، فنظري إليه يثقل ، ذكرهن ابن الأنباري . قوله تعالى : * ( أئذا كنا عظاما ) * قرأ ابن كثير : * ( أيذا ) * بهمزة ثم يأتي بياء ساكنة من غير مد ، * ( أينا ) * ، مثله وكذلك في كل القرآن . وكذلك روى قالون عن نافع ، إلا أن نافعا كان لا يستفهم في * ( أينا ) * ، كان يجعل الثاني خبرا في كل القرآن ، وكذلك مذهب الكسائي ، غير أنه يهمز الأولى