ابن الجوزي
308
زاد المسير في علم التفسير
يكادون يسطون بالذين يتلون عليهم آياتنا قل أفأنبئكم بشر من ذلكم النار وعدها الله الذين كفروا وبئس المصير " 72 " قوله تعالى : * ( ويعبدون ) * يعني : كفار مكة * ( ما لم ينزل به سلطانا ) * أي : حجة * ( وما ليس لهم به علم ) * أنه إله ، * ( وما للظالمين ) * ، يعني : المشركين * ( من نصير ) * أي : مانع من العذاب . * ( وإذا تتلى عليهم آياتنا ) * يعني القرآن ; والمنكر هاهنا بمعنى الإنكار ، فالمعنى : أثر الإنكار من الكراهة ، وتعبيس الوجوه ، معروف عندهم . * ( يكادون يسطون ) * أي : يبطشون ويوقعون بمن يتلو عليهم القرآن من شدة الغيظ ، يقال : سطا عليه ، وسطا به : إذا تناوله بالعنف والشدة . * ( قل ) * لهم يا محمد : * ( أفأنبئكم بشر من ذلكم ) * أي : بأشد عليكم وأكره إليكم من سماع القرآن ، ثم ذكر ذلك فقال : * ( النار ) * أي : هو النار . يا أيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب " 73 " ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز " 74 " قوله تعالى : * ( يا أيها الناس ضرب مثل ) * قال الأخفش : إن قيل : أين المثل ؟ فالجواب : أنه ليس هاهنا مثل ، وإنما المعنى : يا أيها الناس ضرب مثل ، أي : شبهت بي الأوثان * ( فاستمعوا ) * لهذا المثل . وتأويل الآية : جعل المشركون الأصنام شركائي فعبدوها معي فاستمعوا حالها ; ثم بين ذلك بقوله : * ( إن الذين تدعون ) * أي : تعبدون * ( من دون الله ) * ، وقرأ ابن عباس ، وأبو رزين ، وابن أبي عبلة : " يدعون " بالياء المفتوحة . وقرأ ابن السميفع ، وأبو رجاء وعاصم الجحدري : " يدعون " بضم الياء وفتح العين ، يعني : الأصنام ، * ( لن يخلقوا ذبابا ) * والذباب واحد ، والجمع القليل : أذبة ، والكثير : الذبان ، مثل : غراب وأغربة وغربان ; وقيل : إنما خص الذباب لمهانته واستقذاره وكثرته . * ( ولو اجتمعوا ) * يعني : الأصنام ; قال ابن عباس : كانوا يطلون أصنامهم بالزعفران فيجف ، فيأتي الذباب فيختلسه . وقال ابن جريج : كانوا إذا طيبوا أصنامهم عجنوا طيبهم بشئ من الحلواء ، كالعسل ونحوه ، فيقع عليه الذباب فيسلبها إياه ، فلا تستطيع الآلهة ولا من عبدها أن يمنعه ذلك . وقال السدي : كانوا يجعلون للآلهة طعاما ، فيقع الذباب عليه فيأكل منه قال ثعلب : وإنما قال : * ( لا يستنقذوه منه ) * فجعل أفعال الآلهة كأفعال الآدميين ، إذ كانوا يعظمونها ويذبحون لها وتخاطب ، كقوله : * ( يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم ) * لما خاطبهم جعلهم