ابن الجوزي
307
زاد المسير في علم التفسير
ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير " 70 " قوله تعالى : * ( لكل أمة جعلنا منسكا ) * قد سبق بيانه في هذه السورة * ( فلا ينازعنك في الأمر ) * أي : في الذبائح ، وذلك أن كفار قريش وخزاعة خاصموا رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] في أمر الذبيحة ، فقالوا : كيف تأكلون ما قتلتم ولا تأكلون ما قتله الله ؟ ! يعنون : الميتة . فإن قيل : إذا كانوا هم المنازعين له ، فكيف قيل : " فلا ينازعنك في الأمر " ؟ فقد أجاب عنه الزجاج ، فقال المراد : النهي له عن منازعتهم ، فالمعنى : لا تنازعنهم ، كما تقول للرجل : لا يخاصمنك فلان في هذا أبدا ، وهذا جائز في الفعل الذي لا يكون إلا من اثنين ، لأن المجادلة والمخاصمة لا تتم إلا باثنين ، فإذا قلت : لا يجادلنك فلان ، فهو بمنزلة : لا تجادلنه ، ولا يجوز هذا في قولك : لا يضربنك فلان وأنت تريد : لا تضربنه ، ولكن لو قلت : لا يضاربنك فلان ، لكان كقولك : لا تضاربن ، ويدل على هذا الجواب قوله : * ( وإن جادلوك ) * . قوله تعالى : * ( وادع إلى ربك ) * أي : إلى دينه والإيمان به . و " جادلوك " بمعنى : خاصموك في أمر الذبائح ، * ( فقل الله أعلم بما تعملون ) * من التكذيب ، فهو يجازيكم به . * ( الله يحكم بينكم يوم القيامة ) * أي : يقضي بينكم * ( فيما كنتم فيه تختلفون ) * من الدين ، أي : تذهبون إلى خلاف ما ذهب إليه المؤمنون وهذا أدب حسن علمه الله عباده ليردوا به من جادل على سبيل التعنت ، ولا يجيبوه ، ولا يناظروه . فصل قال أكثر المفسرين : هذا نزل قبل الأمر بالقتال ، ثم نسخ بآية السيف . وقال بعضهم : هذا نزل في حق المنافقين ، كانت تظهر من أقوالهم وأفعالهم فلتات تدل على شركهم ، ثم يجادلون على ذلك ، فوكل أمرهم إلى الله تعالى ، فالآية على هذا محكمة . قوله تعالى : * ( ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء الأرض ) * هذا استفهام يراد به التقرير ; والمعنى : قد علمت ذلك * ( إن ذلك ) * يعني ما يجري في السماوات والأرض * ( في كتاب ) * يعني : اللوح المحفوظ ، * ( إن ذلك ) * أي : علم الله بجميع ذلك * ( على الله يسير ) * سهل لا يتعذر عليه العلم به . ويعبدون من دون الله ما لم ينزل به سلطانا وما ليس لهم به علم وما للظالمين من نصير " 71 " وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات تعرف في وجوه الذين كفروا المنكر