ابن الجوزي

288

زاد المسير في علم التفسير

والثاني : جعلناه قبلة لصلاتهم ، ومنسكا لحجهم ، وهذا على أنه نفس المسجد . وقرأ إبراهيم النخعي ، وابن أبي عبلة ، وحفص عن عاصم : " سواء " بالنصب ، فيتوجه الوقف على " سواء " ، وقد وقف بعض القراء كذلك . قال أبو علي الفارسي : أبدل العاكف والبادي من الناس من حيث كانا كالشامل لهم ، فصار المعنى : الذي جعلناه للعاكف والبادي سواء . فأما العاكف : فهو المقيم ، والبادي : الذي يأتيه من غير أهله ، وهذا من قولهم : بدا القوم : إذا خرجوا عن الحضر إلى الصحراء . وقرأ ابن كثير ، وأبو عمرو : " البادي " بالياء ، غير أن ابن كثير ، وقف بياء ، وأبو عمرو بغير ياء . وقرأ عاصم ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي ، والمسيبي عن نافع بغير باء في الحالتين . ثم في معنى الكلام قولان : أحدهما : أن العاكف والبادي يستويان في سكنى مكة والنزول بها ، فليس أحدهما أحق بالمنزل من الآخر ، غير أنه لا يخرج أحد من بيته ، هذا قول ابن عباس ، وسعيد بن جبير ، وقتادة ; وإلى نحو هذا ذهب أبو حنيفة ، وأحمد ; ومذهب هؤلاء أن كراء دور مكة وبيعها حرام ، هذا على أن المسجد : الحرم كله . والثاني : أنهما يستويان في تفضيله وحرمته وإقامة المناسك به ، هذا قول الحسن ، ومجاهد . ومنهم من أجاز بيع دور مكة ، وإليه يذهب الشافعي . وعلى هذا يجوز أن يراد بالمسجد الحرم ، ويجوز أن يراد نفس المسجد . قوله تعالى : * ( ومن يرد فيه بإلحاد ) * الإلحاد في اللغة : العدول عن القصد ، والباء زائدة ، كقوله تعالى : * ( تنبت بالدهن ) * ، وأنشدوا : - بواد يمان ينبت الشت صدروه * وأسفله بالمرخ والشبهان - المعنى : وأسفله ينبت المرخ ; وقال آخر : - هن الحرائر لا ربات أخمرة * سود المحاجر لا يقرأن بالسور - وقال آخر : - نحن بنوا جعدة أرباب الفلج * نضرب بالسيف ونرجو بالفرج - هذا قول جمهور اللغويين . قال ابن قتيبة : والباء قد تزاد في الكلام ، كهذه الآية ، وكقوله تعالى : * ( اقرأ باسم ربك ) * * ( وهزي إليك بجذع النخلة ) * * ( بأيكم المفتون ) * * ( تلقون