ابن الجوزي

198

زاد المسير في علم التفسير

تأويله : يلقيه اليم ، ويجوز أن يكون البحر مأمورا بآلة ركبها الله تعالى فيه ، فسمع وعقل ، كما فعل ذلك بالحجارة والأشجار . فأما الساحل ، فهو : شط البحر . * ( يأخذه عدو لي وعدو له ) * يعني : فرعون . قال المفسرون : اتخذت أمه تابوتا وجعلت فيه قطنا محلوجا ، ووضعت فيه موسى وأحكمت بالقار شقوق التابوت ، ثم ألقته في النيل ، وكان يشرع منه نهر كبير في دار فرعون ، فبينا هو جالس على رأس البركة مع امرأته آسية ، إذا بالتابوت ، فأمر الغلمان والجواري بأخذه ، فلما فتحوه رأوا صبيا من أصبح الناس وجها ; فلما رآه فرعون أحبه حبا شديدا ، فذلك قوله : * ( وألقيت عليك محبة مني ) * ، قال أبو عبيدة : ومعنى " ألقيت عليك " أي : جعلت لك محبة مني . قال ابن عباس : أحبه وحببه إلى خلقه ، فلا يلقاه أحد إلا أحبه من مؤمن وكافر . وقال قتادة : كانت في عينيه ملاحة ، فما رآه أحد إلا أحبه . قوله تعالى : * ( ولتصنع على عيني ) * وقرأ أبو جعفر : " ولتصنع " بسكون اللام والعين والإدغام . قال أبو عبيدة : على ما أريد وأحب . قال ابن الأنباري : هو من قول العرب : غذي فلان على عيني ، أي : على المحبة مني . وقال غيره : لتربى وتغذى بمرأى مني ، يقال : صنع الرجل جاريته : إذا رباها ; وصنع فرسه : إذا داوم على علفه ومراعاته ، والمعنى : ولتصنع على عيني ، قدرنا مشي أختك وقولها : * ( هل أدلكم على من يكفله ) * لأن هذا كان من أسباب تربيته على ما أراد الله تعالى . فأما أخته ، فقال مقاتل : اسمها مريم . قال الفراء : وإنما اقتصر على ذكر المشي ، ولم يذكر أنها مشت حتى دخلت على آل فرعون فدلتهم على الظئر ، لأن العرب تجتزئ بحذف كثير من الكلام ، وبقليله ، إذا كان المعنى معروفا ، ومثله قوله : * ( أنا أنبئكم بتأويله فأرسلون ) * ، ولم يقل : فأرسل حتى دخل على يوسف . قال المفسرون : سبب مشي أخته أن أمه قالت لها : قصيه ، فاتبعت موسى على أثر الماء ، فلما التقطه آل فرعون جعل لا يقبل ثدي امرأة ، فقالت لهم أخته : " هل أدلكم على من يكفله " أي : يرضعه ويضمه إليه ، فقيل لها : ومن هي ؟ فقالت : أمي ، قالوا : وهل لها لبن ؟ قالت : لبن أخي هارون ، وكان هارون أسن من موسى بثلاث سنين ، فأرسلوها ، فجاءت بالأم فقبل ثديها ، فذلك قوله [ تعالى ] : * ( فرجعناك إلى أمك ) * أي : رددناك إليها * ( كي تقر عينها ) * بك وبرؤيتك . * ( وقتلت نفسا ) * يعني : القبطي الذي وكزه فقضى عليه ، وسيأتي ذكره إن شاء الله [ تعالى ] * ( فنجيناك من الغم ) * وكان مغموما مخافة أن يقتل به ، فنجاه الله بأن هرب إلى مدين ، * ( وفتناك فتونا ) * فيه ثلاث أقوال :