ابن الجوزي
199
زاد المسير في علم التفسير
أحدها : اختبرناك اختبارا ، رواه علي بن أبي طلحة عن ابن عباس . والثاني : أخلصناك إخلاصا ، رواه الضحاك عن ابن عباس ، وبه قال مجاهد . والثالث : ابتليناك ابتلاء ، رواه العوفي عن ابن عباس ، وبه قال قتادة . وقال الفراء : ابتليناك بغم القتيل ابتلاء . وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال : الفتون : وقوعه في محنة بعد محنة خلصه الله منها ، أولها أن أمه حملته في السنة التي كان فرعون يذبح فيها الأطفال ، ثم إلقاؤه في البحر ، ثم منعه الرضاع إلا من ثدي أمه ، ثم جره لحية فرعون حتى هم بقتله ، ثم تناوله الجمرة بدل الدرة ، ثم قتله القبطي ، ثم خروجه إلى مدين خائفا ; وكان ابن عباس يقص هذه القصص على سعيد بن جبير ، ويقول له عند كل بلية : وهذا من الفتون يا ابن جبير ; فعلى هذا يكون معنى " فتناك " خلصناك من تلك المحن كما يفتن الذهب بالنار فيخلص من كل خبث . والفتون : مصدر . قوله تعالى : * ( فلبثت سنين ) * تقدير الكلام : فخرجت إلى أهل مدين . ومدين : بلد شعيب ، وكان على ثمان مراحل من مصر ، فهرب إليه موسى . وقيل : مدين : اسم رجل ، وقد سبق هذا . وفي قدر لبثه هناك قولان : أحدهما : عشر سنين ، قاله ابن عباس ، ومقاتل . والثاني : ثمان وعشرون سنة ، عشر منهن مهر امرأته ، وثمان عشرة أقام حتى ولد له ، قاله وهب . قوله تعالى : * ( ثم جئت على قدر ) * أي : جئت لميقات قدرته لمجيئك قبل خلقك ، وكان ذلك على رأس أربعين سنة ، وهو الوقت الذي يوحى فيه إلى الأنبياء ، هذا قول الأكثرين . وقال الفراء : " على قدر " أي : على ما أراد الله به من تكليمه . قوله تعالى : * ( واصطنعتك لنفسي ) * أي : اصطفيتك واختصصتك ، والاصطناع : اتخاذ الصنيعة ، وهو الخير تسديه إلى إنسان . وقال ابن عباس : اصطفيتك لرسالتي ووحيي * ( اذهب أنت وأخوك بآياتي ) * وفيها ثلاثة أقوال : أحدها : أنها العصا واليد . وقد يذكر الاثنان بلفظ الجمع .