ابن الجوزي

194

زاد المسير في علم التفسير

اعترفت بأنه ماء ؟ فتثبت عليه الحجة ، هذا قول الزجاج . فعلى هذا تكون الفائدة أنه قرر موسى أنها عصا لما أراد أن يريه من قدرته في انقلابها حية ، فوقع المعجز بها بعد التثبت في أمرها . والثاني : أنه لما اطلع الله تعالى على ما في قلب موسى من الهيبة والإجلال حين التكليم ، أراد أن يؤانسه ويخفف عن ثقل ما كان فيه من الخوف ، فأجرى هذا الكلام للاستئناس ، حكاه أبو سليمان الدمشقي . فإن قيل : قد كان يكفي في الجواب أن يقول : " هي عصاي " فما الفائدة في قوله : " أتوكأ عليها " إلى آخر الكلام ، وإنما يشرح هذا لمن لا يعلم فوائدها ؟ فعنه ثلاثة أجوبة : أحدها : أنه أجاب بقوله : " هي عصاي " فقيل له : ما تصنع بها ؟ فذكر باقي الكلام جوابا عن سؤال ثان ، قاله ابن عباس ، ووهب . والثاني : أنه إنما أظهر فوائدها ، وبين حاجته إليها ، خوفا أن يأمره بإلقائها كالنعلين ، قاله سعيد بن جبير . والثالث : أنه بين منافعها لئلا يكون عابثا بحملها ، قاله الماوردي . فإن قيل : فلم اقتصر على ذكر بعض منافعها ولم يطل الشرح ؟ فعنه ثلاثة أجوبة : أحدها : أنه كره ان يشتغل عن كلام الله بتعداد منافعها . والثاني : أنه استغنى بعلم الله فيها عن كثرة التعداد . والثالث : أنه اقتصر على اللازم دون العارض . وقيل : كانت تضيء له بالليل ، وتدفع عنه الهوام ، وتثمر له إذا اشتهى الثمار . وفي جنسها قولان : أحدهما : أنها كانت من آس الجنة ، قاله ابن عباس . والثاني : أنها كانت من عوسج . فإن قيل : المآرب جمع ، فكيف قال : " أخرى " ولم يقل : " أخر " ؟ فالجواب : أن المآرب في معنى جماعة ، فكأنه قال : جماعة من الحاجات أخرى ، قاله الزجاج . قوله تعالى : * ( قال ألقها يا موسى ) * قال المفسرون : ألقاها ، ظنا منه أنه قد أمر برفضها ، فسمع حسا فالتفت فإذا هي كأعظم ثعبان تمر بالصخرة العظيمة فتبتلعها ، فهرب منها . وفي وجه الفائدة في إظهار هذه الآية ليلة المخاطبة قولان : أحدهما : لئلا يخاف منها إذا ألقاها بين يدي فرعون .