ابن الجوزي
195
زاد المسير في علم التفسير
والثاني : ليريه أن الذي أبعثك إليه دون ما أريتك ، فكما ذللت لك الأعظم وهو الحية ، أذلل لك الأدنى . ثم إن الله تعالى أمره بأخذها وهي على حالها حية ، فوضع يده عليها فعادت عصا ، فذلك قوله : * ( سنعيدها سيرتها الأولى ) * قال الفراء : طريقتها ، يقول : تردها عصى كما كانت ، قال الزجاج : " وسيرتها " منصوبة على اسقاط الخافض وإفضاء الفعل إليها ، المعنى : سنعيدها إلى سيرتها . فإن قيل : إنما كانت العصا واحدة ، وكان إلقاؤها مرة ، فما وجه اختلاف الأخبار عنها ، فإنه يقول في الأعراف * ( فإذا هي ثعبان مبين ) * ، وهاهنا : " حية " وفي مكان آخر : * ( كأنها جان ) * ليست بالعظيمة ، والثعبان أعظم الحيات ؟ فالجواب : أن صفتها بالجان عبارة عن ابتداء حالها ، وبالثعبان إخبار عن انتهاء حالها ، والحية اسم يقع على الصغير والكبير والذكر والأنثى . وقال الزجاج : خلقها خلق الثعبان العظيم ، واهتزازها وحركتها وخفتها كاهتزاز الجان . قوله تعالى : * ( واضمم لأنه يدك إلى جناحك ) * قال الفراء : الجناح من أسفل العضد إلى الإبط . وقال أبو عبيدة : الجناح ناحية الجنب ، وانشد : أضمه للصدر والجناح قوله تعالى : * ( تخرج بيضاء من غير سوء ) * أي : من غير برص * ( آية أخرى ) * أي : دلالة على صدقك سوى العصا . قال الزجاج : ونصب " آية " على معنى : آتيناك آية ، أو نؤتيك . قوله تعالى : * ( لنريك من آياتنا الكبرى ) * . إن قيل : لم لم يقل : " الكبر " ؟ فعنه ثلاثة أجوبة : أحدها : أنه كقوله : * ( مآرب أخرى ) * وقد شرحناه ، هذا قول الفراء . والثاني : أن فيه إضمارا تقديره : لنريك من آياتنا الآية الكبرى . وقال أبو عبيدة : فيه تقديم وتأخير ، تقديره : لنريك الكبرى من آياتنا . والثالث : أنه إنما كان ذلك لوفاق رأس الآي ، حكى القولين الثعلبي .