ابن الجوزي

164

زاد المسير في علم التفسير

وموجبات الحسرة يوم القيامة كثيرة ، فمن ذلك ما روى أبو سعيد الخدري ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إذا دخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، قيل : يا أهل الجنة ، فيشرئبون وينظرون ، وقيل : يا أهل النار ، فيشرئبون وينظرون ، فيجاء بالموت كأنه كبش أملح ، فيقال لهم : هل تعرفون هذا ؟ فيقولون : هذا الموت ، فيذبح ، ثم يقال : يا أهل الجنة خلود فلا موت ، ويا أهل النار خلود فلا موت ; ثم قرأ رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : * ( وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون ) * " قال المفسرون : فهذه هي الحسرة إذا ذبح الموت ، فلو مات أحد فرحا مات أهل الجنة ، ولو مات أحد حزنا مات أهل النار ومن موجبات الحسرة : روى عدي بن حاتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يؤتى يوم القيامة بناس إلى الجنة ، حتى إذا دنوا منها واستنشقوا ريحها ونظروا إلى قصورها ، نودوا : أن اصرفوهم عنها ، لا نصيب لهم فيها ، فيرجعون بحسرة ما رجع الأولون بمثلها . فيقولون : يا ربنا لو أدخلتنا النار قبل أن ترينا ما أريتنا كان أهون علينا ; قال : ذلك أردت بكم ، كنتم إذا خلوتم بارزتموني بالعظائم ، وإذا لقيتم الناس لقيتوهم مخبتين ، تراؤون الناس بخلاف ما تعطوني من قلوبكم ، هبتم الناس ولم تهابوني ، وأجللتم الناس ولم تجلوني ، تركتم للناس ولم تتركوا لي ، فاليوم أذيقكم العذاب مع ما حرمتكم من الثواب . ومن موجبات الحسرة ما روي عن ابن مسعود قال : ليس من نفس يوم القيامة إلا وهي تنظر إلى بيت في الجنة ، وبيت في النار ، ثم يقال : يعني لهؤلاء : لو عملتم ، ولأهل الجنة ، لولا أن من الله عليكم . ومن موجبات الحسرة : قطع الرجاء عند إطباق النار على أهلها . قوله تعالى : * ( إذ قضي الأمر ) * قال ابن الأنباري : " قضي " في اللغة بمعنى : أتقن وأحكم ، وإنما سمي الحاكم قاضيا ، لإتقانه ، وإحكامه ما ينفذ . وفي الآية اختصار ، والمعنى : إذ قضي الأمر الذي فيه هلاكهم . وللمفسرين في الأمر قولان : أحدهما : أنه ذبح الموت ، قاله ابن جريج ، والسدي . والثاني : أن المعنى : قضي العذاب لهم ، قاله مقاتل . قوله تعالى : * ( وهم في غفلة ) * عما يصنع بهم ذلك اليوم * ( وهم لا يؤمنون ) * بما يكون في الآخرة .