ابن الجوزي
160
زاد المسير في علم التفسير
إليه أن كلموه . وكان عيسى قد كلمها حين أتت به قومها وقال : يا أماه أبشري فإني عبد الله ومسيحه ، فلما أشارت أن كلموه ، تعجبوا من ذلك ، و * ( قالوا كيف نكلم من كان ) * وفيها أربعة أقوال : أحدها : أنها زائدة ، فالمعنى : كيف نكلم صبيا في المهد ؟ ! والثاني : أنها في معنى : وقع ، وحدث . والثالث : أنها في معنى الشرط والجزاء ، فالمعنى : من يكن في المهد صبيا ، فكيف نكلمه ؟ ! حكاها الزجاج واختار الأخير منها ، قال ابن الأنباري : وهذا كما تقول : كيف أعظ من كان لا يقبل موعظتي ؟ ! أي : من يكن لا يقبل ، والماضي يكون بمعنى المستقبل في الجزاء . والرابع : أن " كان " بمعنى صار ، قاله قطرب . وفي المراد بالمهد قولان : أحدهما : حجرها ، قال نوف ، وقتادة ، والكلبي . والثاني : سرير الصبي المعروف ، حكاه الكلبي أيضا . قال السدي : فلما سمع عيسى كلامهم ، لم يزد على أن ترك الرضاع ، وأقبل عليهم بوجهه ، فقال : إني عبد الله ، قال المفسرون : إنما قدم ذكر العبودية ، ليبطل قول من ادعى فيه الربوبية . وفي قوله : * ( آتاني الكتاب ) * أسكن هذه الياء حمزة . وفي معنى الآية قولان : أحدهما : أنه آتاه الكتاب وهو في بطن أمه ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . وقيل : علم التوراة والإنجيل وهو في بطن أمه . والثاني : قضى أن يؤتيني الكتاب ، قاله عكرمة . وفي " الكتاب " قولان . أحدهما : أنه التوراة . والثاني : الإنجيل . قوله تعالى : * ( وجعلني نبيا ) * هذا وما بعده إخبار عما قضى الله له وحكم له به ومنحه إياه مما سيظهر ويكون . قيل : المعنى : يؤتيني الكتاب ويجعلني نبيا إذا بلغت ; فحل الماضي محل المستقبل ، كقوله تعالى : * ( وإذ قال الله يا عيسى ) * . وفي وقت تكليمه لهم قولان : أحدهما : أنه كلمهم بعد أربعين يوما . والثاني : في يومه . وهو مبني على ما ذكرنا من الزمان الذي غابت عنهم فيه مريم .