ابن الجوزي
159
زاد المسير في علم التفسير
قدميه ، فيكون سعية آية كنطقه ، فقطع ذلك التوهم ، وأعلم أنه كسائر الأطفال ، وهذا مثل قول العرب : نظرت إلى فلان بعيني ، فنفوا بذلك نظر العطف ; والرحمة ، وأثبتوا أنه نظر عين . وقال ابن السائب : لما دخلت على قومها بكوا ، وكانوا قوما صالحين ; و * ( قالوا يا مريم لقد جئت شيئا فريا ) * وفيه ثلاثة أقوال : أحدها : شيئا عظيما ، قاله ابن عباس ، ومجاهد ، وقتادة . قال الفراء : الفري : العظيم ، والعرب تقول : تركته يفري الفري ، إذا عمل فأجاد العمل ففضل الناس ، قيل هذا فيه ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : " فما رأيت عبقريا يفري فري عمر " . والثاني : عجبا فائقا ، قاله أبو عبيدة . والثالث : شيئا مصنوعا ، ومنه يقال : فريت الكذب ، وافتريته ، قاله اليزيدي . قوله تعالى : * ( يا أخت هارون ) * في المراد بهارون هذا خمسة أقوال : أحدها : أنه أخ لها من أمها ، وكان من أمثل فتى في بني إسرائيل ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . وقال الضحاك : كان من أبيها وأمها . والثاني : أنها كانت من بني هارون ، قاله الضحاك عن ابن عباس . وقال السدي : كانت من بني هارون أخي موسى عليهما السلام ، فنسبت إليه ، لأنها من ولده . والثالث : أنه رجل صالح كان في بني إسرائيل ، فشبهوها به في الصلاح ، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا ، وقتادة ، ويدل عليه ما روى المغيرة بن شعبة قال : بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل نجران ، فقالوا : ألستم تقرؤون : " يا أخت هارون " وقد علمتم ما كان بين موسى وعيسى ؟ فلم أدر ما أجيبهم ، فرجعت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : " ألا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم " . والربع : أن قوم هارون كان فيهم فساق وزناه ، فنسبوها إليهم ، قاله سعيد بن جبير . والخامس : أنه رجل من فساق بني إسرائيل شبهوها به ، قاله وهب بن منبه . فعلى هذا يخرج في معنى " الأخت " قولان : أحدهما : أنها الأخت حقيقة . والثاني : المشابهة ، لا المناسبة ، كقوله تعالى : * ( وما نريهم من آية إلا هي أكبر من أختها ) * . قوله تعالى : * ( ما كان أبوك ) * يعنون : عمران * ( امرأ سوء ) * أي : زانيا * ( وما كانت أمك ) * حنة * ( بغيا ) * أي : زانية ، فمن أين لك هذا الولد ؟ ! قوله تعالى : * ( فأشارت ) * أي : أومأت * ( إليه ) * أي : إلى عيسى فتكلم ، وقيل المعنى : أشارت