ابن الجوزي

114

زاد المسير في علم التفسير

معك حوتا فتجعله في مكتل ، فحيثما فقدت الحوت فهو ثم . فانطلق معه فتاه يوشع بن نون ، حتى إذا أتيا الصخرة ، وضعا رؤوسهما فناما ، واضطرب [ أي الحوت ] في المكتل فخرج منه فسقط في البحر ، فاتخذ سبيله في البحر سربا ، وأمسك الله عن الحوت جرية الماء ، فصار عليه مثل الطاق . فلما استيقظ نسي صاحبه أن يخبره بالحوت ، فانطلقا بقية يومهما وليلتهما ، حتى إذا كان من الغد قال موسى لفتاه : آتنا غداءنا لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ، قال : ولم يجد موسى النصب حتى جاوز المكان الذي أمره الله به ، فقال فتاه : * ( أرأيت إذ أوينا ) * إلى قوله : * ( عجبا ) * ، قال : وكان للحوت سربا ، ولموسى ولفتاه عجبا ، فقال موسى : * ( ذلك ما كنا نبغي ، فارتدا على آثارهما قصصا ) * قال : رجعا يقصان آثارهما حتى انتهيا إلى ، فإذا هو مسجى بثوب ، فسلم عليه موسى ، فقال الخضر : وأنى بأرضك السلام ! من أنت ؟ قال : أنا موسى ، قال : موسى بني إسرائيل ؟ قال : نعم أتيتك لتعلمني مما علمت رشدا ، قال : إنك لن تستطيع معي صبرا يا موسى ، إني على علم من علم الله لا تعلمه علمنيه ، وأنت على علم من علم الله علمكه لا أعلمه ; فقال موسى : ستجدني إن شاء الله صابرا ولا أعصي لك أمرا ; فقال له الخضر : فإن اتبعتني فلا تسألني عن شئ حتى أحدث لك منه ذكرا ; فانطلقا يمشيان على الساحل ، فمرت سفينة فكلموهم أن يحملوهم ، فعرفوا الخضر فحملوه بغير نول ; فلما ركبا في السفينة لم يفجأ إلا والخضر قد قلع لوحا من ألواح السفينة بالقدوم ، فقال له موسى : قوم قد حملونا بغير نول عمدت إلى سفينتهم فخرقتها لتغرق أهلها . . . . إلى قوله : * ( عسرا ) * ؟ ! قال : وقال رسول الله [ صلى الله عليه وسلم ] : " كانت الأولى من موسى نسيانا " [ قال ] وجاء عصفور فوقع على حرف السفينة ، فنقر في البحر نقرة ، فقال له الخضر : ما علمي وعلمك من علم الله [ عز وجل ] إلا مثل ما نقص هذا العصفور من هذا البحر ، ثم خرجا من السفينة ، فبينما هما يمشيان على الساحل ، إذ أبصر الخضر غلاما يلعب مع الغلمان ، فأخذ الخضر رأسه [ بيده ] فاقتلعه فقتله ، فقال له موسى : * ( أقتلت نفسا زاكية ) * إلى قوله : * ( يريد أن ينقض ) * فقال الخضر بيده ، فأقامه ، فقال موسى : قوم أتيناهم فلم يطعمونا ، ولم يضيفونا * ( لو شئت لاتخذت عليه أجرا ) * ! * ( قال هذا فراق بيني وبينك . . . ) * الآية " . هذا حديث صحيح أخرجه البخاري ومسلم في " الصحيحين " ، وقد ذكرنا إسناده في كتاب " الحدائق " فآثرنا الاختصار هاهنا . فأما التفسير ، فقوله تعالى : * ( وإذ قال موسى ) * المعنى : واذكر ذلك . وفي موسى قولان : أحدهما : أنه موسى بن عمران ، قاله الأكثرون . ويدل عليه ما روي في " الصحيحين " من حديث سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : إن نوفا البكالي يزعم أن موسى بني إسرائيل ليس هو موسى صاحب الخضر ، قال : كذب عدو الله ، أخبرني أبي بن كعب . . فذكر الحديث الذي قدمناه آنفا .