ابن الجوزي
99
زاد المسير في علم التفسير
أظهر إنذارهم ، انقطع رجاؤهم منه ، وإلى نحو هذا ذهب مقاتل . والثالث : أنهم كانوا يرجون خيره ، فلما أنذرهم ، زعموا أن رجاءهم لخيره قد انقطع ، ذكره الماوردي . قوله تعالى : ( وإننا لفي شك ) إن قال قائل : لم قال ها هنا : " وإننا " وقال في ( إبراهيم ) : " وإنا " ؟ فالجواب : أنهما لغتان من لغات قريش السبع التي نزل القرآن عليها . قال الفراء : من قال : " إننا " أخرج الحرف على أصله ، لأن كناية المتكلمين " نا " فاجتمعت ثلاث نونات ، نونا " إن " والنون المضمومة إلى الألف ، ومن قال : " إنا " استثقل الجمع بين ثلاث نونات ، فأسقط الثالثة ، وأبقى الأولتين ، وكذلك يقال : إني وإنني ، ولعلي ولعلني ، وليتي وليتني ، قال الله تعالى في اللغة العليا : ( لعلي أبلغ الأسباب ) ، وقال الشاعر في اللغة الأخرى : أريني جوادا مات هزلا لعلني * أرى ما ترين أو بخيلا مخلدا وقال الله تعالى : ( يا ليتني كنت معهم ) ، وقال الشاعر : كمنية جابر إذ قال ليتي * أصادقه وأتلف بعض مالي فأما المريب ، فهو الموقع للريبة والتهمة . والرحمة يراد بها هاهنا : النبوة . قوله تعالى : ( فما تزيدونني غير تخسير ) التخسير : النقصان . وفي معني الكلام قولان : أحدهما : فما تزيدونني غير بصارة في خسارتكم ، قاله ابن عباس . وقال الفراء : المعنى : فما تزيدونني غير تخسير لكم ، أي : كلما اعتذرتم عندي بعذر فهو يزيدكم تخسيرا . وقال ابن الأعرابي : غير تخسير لكم ، لا لي . وقال بعضهم : المعنى : فما تزيدونني بما قلتم إلا نسبتي لكم إلى الخسارة . والقول الثاني : فما تزيدونني غير الخسران إن رجعت إلى دينكم ، وهذا معنى قول مقاتل . فإن قيل : فظاهر هذا أنه كان خاسرا ، فزادوه خسارا ، فقد أسلفنا الجواب في قوله : ( لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ) . قوله تعالى : ( هذه ناقة الله ) قد شرحناها في سورة الأعراف . قوله تعالى : ( تمتعوا في داركم ) أي : استمتعوا بحياتكم ، وعبر عن الحياة بالتمتع ، لأن الحي يكون متمتعا بالحواس .