ابن الجوزي

371

زاد المسير في علم التفسير

حمزة قد شق بطنه ، وجدعت أذناه ، فقال : " لولا أن تحزن النساء ، أو تكون سنة بعدي لتركته حتى يبعثه الله من بطون السباع والطير ، ولأقتلن مكانه سبعين رجلا منهم " ، فنزل قوله : ( ادع إلى سبيل ربك ) إلى قوله : ( وما صبرك إلا بالله ) . وروى الضحاك عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ : " لئن ظفرت بقاتل حمزة لأمثلن به مثلة تتحدث بها العرب " ، وكانت هند وآخرون معها قد مثلوا به ، فنزلت هذه الآية . والثاني : أنه أصيب من الأنصار يوم أحد أربعة وستون ، ومن المهاجرين ستة منهم حمزة ، ومثلوا بقتلاهم ، فقالت الأنصار : لئن أصبنا منهم يوما من الدهر ، لنزيدن على عدتهم مرتين ، فنزلت هذه الآية ، قاله أبي بن كعب . وروى أبو صالح عن ابن عباس أن المسلمين قالوا : لئن أمكننا الله منهم لنمثلن بالأحياء فضلا عن الأموات ، فنزلت هذه الآية ، يقول : إن كنتم فاعلين ، فمثلوا بالأموات ، كما مثلوا بأمواتكم . قال ابن الأنباري : وإنما سمى فعل المشركين معاقبة وهم ابتدؤوا بالمثلة ، ليزدوج اللفظان ، فيخف على اللسان ، كقوله : ( وجزاء سيئة سيئة مثلها ) . فصل واختلف العلماء ، هل هذه [ الآية ] منسوخة ، أم لا ؟ على قولين : أحدهما : أنها نزلت قبل ( براءة ) فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقاتل من قاتله ، ولا يبدأ بالقتال ، ثم نسخ ذلك ، وأمر بالجهاد ، قاله ابن عباس ، والضحاك ، فعلى هذا يكون المعنى : ( ولئن صبرتم ) عن القتال ، ثم نسخ هذا بقوله : ( فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم ) . والثاني : أنها محكمة ، وإنما نزلت فيمن ظلم ظلامة ، فلا يحل له أن ينال من ظالمه أكثر مما ناله الظالم منه ، قاله مجاهد ، والشعبي ، والنخعي ، وابن سيرين ، والثوري ، وعلى هذا يكون المعنى : ولئن صبرتم عن المثلة ، لا عن القتال . قوله تعالى : ( واصبر وما صبرك إلا بالله ) أي : بتوفيقه ومعونته . وهذا أمر بالعزيمة . وفي قوله : ( ولا تحزن عليهم ) قولان : أحدهما : على كفار مكة إن لم يسلموا ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . والثاني : ولا تحزن على قتلى أحد ، فإنهم أفضوا إلى رحمة الله ، ذكره علي بن أحمد النيسابوري . قوله تعالى : ( ولا تك في ضيق ) قرأ الأكثرون بنصب الضاد ، وقرأ ابن كثير : " في ضيق "