ابن الجوزي
321
زاد المسير في علم التفسير
ما حملوا على ظهورهم . قوله تعالى : ( قد مكر الذين من قبلهم ) قال المفسرون : يعني به : النمرود بن كنعان ، وذلك أنه بنى صرحا طويلا ، واختلفوا في طوله ، فقال ابن عباس : خمسة آلاف ذراع ، وقال مقاتل : كان طوله فرسخين ، قالوا : ورام أن يصعد إلى السماء ليقاتل أهلها بزعمه . ومعنى " المكر " هاهنا : التدبير الفاسد : وفي الهاء والميم من " قبلهم " قولان : أحدهما : أنها للمقتسمين على عقاب مكة ، قاله ابن السائب . والثاني : لكفار مكة ، قاله مقاتل . قوله تعالى : ( فأتى الله بنيانهم من القواعد ) أي : من الأساس . قال المفسرون : أرسل الله ريحا فألقت رأس الصرح في البحر ، وخر عليهم الباقي . قال السدي : لما سقط الصرح ، تبلبلت ألسن الناس من الفزع ، فتكلموا بثلاثة وسبعين لسانا ، فلذلك سميت " بابل " وإنما كان لسان الناس قبل ذلك بالسريانية ، وهذا قول مردود ، لأن التبلبل يوجب الاختلاط والتكلم بشئ غير مستقيم ، فأما ان يوجب إحداث لغة مضبوطة الحواشي ، فباطل ، وإنما اللغات تعليم من الله تعالى . فإن قيل : إذا كان الماكر واحدا ، فكيف قال : " الذين " ولم يقل : " الذي " ؟ فعنه ثلاثة أجوبة : أحدها : أنه كان الماكر ملكا له أتباع ، فأدخلوا معه في الوصف . والثاني : أن العرب توقع الجمع على الواحد ، فيقول قائلهم : خرجت إلى البصرة على البغال ، وإنما خرج على بغل واحد . والثالث : أن " الذين " غير موقع على واحد معين ، لكنه يراد به : قد مكر الجبارون الذين من قبلهم ، فكان عاقبة مكرهم رجوع البلاء عليهم ، ذكر هذه الأجوبة ابن الأنباري . قال : وذكر بعض العلماء : أنه إنما قال : " من فوقهم " لينبه على أنهم كانوا تحته ، إذ لو لم يقل ذلك ، لاحتمل أنهم لم يكونوا تحته ، لأن العرب تقول : سقط علينا البيت ، وخر علينا الحانوت ، وتداعت علينا الدار ، وليسوا تحت ذلك . قوله تعالى : ( وأتاهم العذاب من حيث لا يشعرون ) أي : من حيث ظنوا أنهم آمنوا فيه . قال السدي : أخذوا من مأمنهم ، وروى عطية عن ابن عباس قال : خر عليهم عذاب من السماء وعامة المفسرين على ما حكيناه من أنه بنيان سقط . وقال ابن قتيبة : هذا مثل ، والمعنى : أهلكهم الله ،