ابن الجوزي

313

زاد المسير في علم التفسير

قوله تعالى : ( ينزل الملائكة ) قرأ ابن كثير وأبو عمرو : ( ينزل ) بإسكان النون وتخفيف الزاي . وقرأ نافع ، وعاصم ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي : ( ينزل ) بالتشديد ، وروى الكسائي عن أبي بكر عن عاصم : ( تنزل ) بالتاء مضمومة ، وفتح الزاي مشددة . ( الملائكة ) رفع . قال ابن عباس : يريد بالملائكة جبريل عليه السلام وحده . وفي المراد بالروح ستة أقوال : أحدها : الوحي ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس . والثاني : أنه النبوة ، رواه عكرمة عن ابن عباس . والثالث : أن المعنى تنزل الملائكة بأمره ، رواه العوفي عن ابن عباس . فعلى هذا يكون المعنى : أن أمر الله كله روح . قال الزجاج : الروح ما كان فيه من أمر الله حياة النفوس بالإرشاد . والرابع : أنه الرحمة ، قاله الحسن ، وقتادة . والخامس : أنه أرواح الخلق : لا ينزل ملك إلا ومعه روح ، قاله مجاهد . والسادس : أنه القرآن ، قاله ابن زيد . فعلى هذا سماه روحا ، لأن الدين يحيا به ، كما أن الروح تحيي البدن . وقال بعضهم : الباء في قوله : ( بالروح ) بمعنى : مع ، فالتقدير : مع الروح ، ( من أمره ) أي : بأمره ، ( على من يشاء من عباده ) يعني : الأنبياء ، ( أن أنذروا ) قال الزجاج : والمعنى : أنذروا أهل الكفر والمعاصي ( أنه لا إله إلا أنا ) أي : مروهم بتوحيدي ، وقال غيره : أنذروا بأنه لا إله إلا أنا ، أي : مروهم بالتوحيد مع تخويفهم إن لم يقروا . خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين ( 4 ) قوله تعالى : ( خلق الإنسان من نطفة ) قال المفسرون : أخذ أبي بن خلف عظما رميما ، فجعل يفته ويقول : يا محمد كيف يبعث الله هذا بعدما رم ؟ فنزلت فيه هذه الآية . والخصيم : المخاصم ، والمبين : الظاهر الخصومة . والمعنى : أنه مخلوق من نطفة ، وهو مع ذلك يخاصم وينكر البعث ، أفلا يستدل بأوله على آخره ، وأن من قدر على إيجاده أولا ، يقدر على إعادته ثانيا ؟ ! وفيه تنبيه علي إنعام الله عليه حين نقله من حال ضعف النطفة إلى القوة التي أمكنه معها الخصام . والأنعام خلقها لكم فيها دف ومنافع ومنها تأكلون ( 5 ) ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ( 6 ) وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم