ابن الجوزي
280
زاد المسير في علم التفسير
والثالث : أن هذا الذي خوفوا به ، لو كان مما يود في حال واحدة من أحوال العذاب ، أو كان الإنسان يخاف الندم إذا حصل فيه ولا يتيقنه ، لوجب عليه اجتنابه . فإن قيل : كيف جاء بعد " ربما " مستقبل ، وسبيلها أن يأتي بعدها الماضي ، تقول : ربما لقيت عبد الله ؟ فالجواب : أن ما وعد الله حق ، فمستقبله بمنزلة الماضي ، يدل عليه قوله [ تعالى ] : ( وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم ) وقوله : ( ونادى أصحاب الجنة ) ( ولو ترى إذ فزعوا فلا فوت ) ، على أن الكسائي والفراء حكيا عن العرب أنهم يقولون : ربما يندم فلان ، قال الشاعر : ربما تجزع النفوس من الأمر * له فرجة كحل العقال ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون ( 3 ) قوله تعالى : ( ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ) أي : دع الكفار يأخذوا حظوظهم في الدنيا ، ( ويلههم الأمل ) أي : ويشغلهم ما يأملون في الدنيا عن أخذ حظهم من الإيمان والطاعة ( فسوف يعلمون ) إذا وردوا القيامة وبال ما صنعوا ، وهذا وعيد وتهديد ، وهذه الآية عند المفسرين منسوخه بآية السيف . وما أهلكنا من قرية إلا ولها كتاب معلوم ( 4 ) ما تسبق من أمة أجلها وما يستأخرون ( 5 ) قوله تعالى : ( وما أهلكنا من قرية ) أي : ما عذبنا من أهل قرية ( إلا ولها كتاب معلوم ) أي أجل مؤقت لا يتقدم ولا يتأخر عنه . ( ما تسبق من أمة أجلها ) " من " صلة ، والمعنى : ما تتقدم وقتها الذي قدر لها بلوغه ، ولا تستأخر عنه . قال الفراء : إنما قال : " أجلها " لأن الأمة لفظها مؤنث ، وإنما قال : " يستأخرون " إخراجا له على معنى الرجال . وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون ( 6 ) لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين ( 7 ) ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين ( 8 )