ابن الجوزي

237

زاد المسير في علم التفسير

قوله تعالى : ( أنزل من السماء ماء ) يعني : المطر ( فسالت أودية ) وهي جمع واد ، وهو كل منفرج بين جبلين يجتمع إليه ماء المطر فيسيل ( بقدرها ) أي : بمبلغ ما تحمل ، فإن صغر الوادي ، قل الماء ، وإن هو اتسع ، كثر . وقرأ الحسن ، وابن جبير ، وأبو العالية ، وأيوب ، وابن يعمر ، وأبو حاتم عن يعقوب : " بقدرها " بإسكان الدال . وقوله تعالى : " فسالت أودية " توسع في الكلام ، والمعنى : سالت مياهها ، فحذف المضاف ، وكذلك قوله : " بقدرها " أي : بقدر مياهها . ( فاحتمل السيل زبدا رابيا ) أي : عاليا فوق الماء ، فهذا مثل ضربه الله عز وجل . ثم ضرب مثلا آخر ، فقال : ( ومما توقدون عليه في النار ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وأبو بكر عن عاصم : " توقدون عليه " بالتاء . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وحفص عن عاصم بالياء . قال أبو علي : من قرأ بالتاء ، فلما قبله من الخطاب ، وهو قوله : " أفاتخذتم " ، ويجوز أن يكون خطابا عاما للكافة ، ومن قرأ بالياء فلأن ذكر الغيبة قد تقدم في قوله : " أم جعلوا لله شركاء " . ويعني بقوله : ( ومما توقدون عليه ) ما يدخل إلى النار فيذاب من الجواهر ( ابتغاء حلية ) يعني : الذهب والفضة ( أو متاع ) يعني : الحديد والصفر والنحاس والرصاص تتخذ منه الأواني والأشياء التي ينتفع بها ، ( زبد مثله ) أي : له زبد إذا أذيب مثل زبد السيل ، فهذا مثل آخر . وفيما ضرب له هذان المثلان ثلاثة أقوال : أحدها : أنه القرآن ، شبه نزوله من السماء بالماء ، وشبه قلوب العباد بالأودية تحمل منه على قدر اليقين والشك ، والعقل والجهل ، فيستكن فيها ، فينتفع المؤمن بما في قلبه كانتفاع الأرض التي يستقر فيها المطر ، ولا ينتفع الكافر بالقرآن لمكان شكه وكفره ، فيكون ما حصل عنده من القرآن كالزبد وكخبث الحديد لا ينتفع به . والثاني : أنه الحق والباطل ، فالحق شبه بالماء الباقي الصافي ، والباطل مشبه بالزبد الذاهب ، فهو وإن علا على الماء فإنه سيمحق ، كذلك الباطل ، وإن ظهر على الحق في بعض الأحوال ، فان الله سيبطله . والثالث : أنه مثل ضربه الله للمؤمن والكافر ، فمثل المؤمن واعتقاده وعمله كالماء المنتفع به ، ومثل الكافر واعتقاده وعمله كالزبد . قوله تعالى : ( وكذلك ) أي : كما ذكر هذا ، يضرب الله مثل الحق والباطل . وقال أبو عبيدة : كذلك يمثل الله الحق ويمثل الباطل .