ابن الجوزي
209
زاد المسير في علم التفسير
الأنباري : كان الذي سألوه من المسامحة يشبه التصدق ، وليس به . والثاني : برد أخينا ، قاله ابن جريج ، قال : وذلك أنهم كانوا أنبياء ، والصدقة لا تحل للأنبياء . والثالث : وتصدق علينا بالزيادة على حقنا ، قاله ابن عيينة ، وذهب إلى أن الصدقة قد كانت تحل للأنبياء قبل نبينا صلى الله عليه وسلم ، حكاه أبو سليمان الدمشقي ، وأبو الحسن الماوردي ، وأبو يعلى بن الفراء . قوله تعالى : ( إن الله يجزي المتصدقين ) أي : بالثواب . قال الضحاك : لم يقولوا : إن الله يجزيك إن تصدقت علينا ، لأنهم لم يعلموا أنه مؤمن . قوله تعالى : ( هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه ) في سبب قوله لهم هذا ، ثلاثة أقوال : أحدها : أنه أخرج إليهم نسخة الكتاب الذي كتبوه على أنفسهم ببيعه من مالك بن ذعر ، وفي آخر الكتاب : " وكتب يهوذا " فلما قرؤوا الكتاب اعترفوا بصحته وقالوا : هذا كتاب كتبناه على أنفسنا عند بيع عبد كان لنا ، فقال يوسف عند ذلك : إنكم تستحقون العقوبة ، وأمر بهم ليقتلوا ، فقالوا : إن كنت فاعلا ، فاذهب بأمتعتنا إلى يعقوب ، ثم أقبل يهوذا على بعض إخوته ، وقال : قد كان أبونا متصل الحزن لفقد واحد من ولده ، فكيف به إذا أخبر بهلكنا أجمعين ؟ فرق يوسف عند ذلك وكشف لهم أمره ، وقال لهم هذا القول ، رواه أبو صالح عن ابن عباس . والثاني : أنهم لما قالوا : " مسنا وأهلنا الضر " أدركته الرحمة ، فقال لهم هذا ، قاله ابن إسحاق . والثالث : أن يعقوب كتب إليه كتابا : إن رددت ولدي ، وإلا دعوت عليك دعوة تدرك السابع من ولدك ، فبكى ، وقال لهم هذا . وفي " هل " قولان : أحدهما : أنها استفهام لتعظيم القصة لا يراد به نفس الاستفهام . قال ابن الأنباري : والمعنى : ما أعظم ما ارتكبتم ، وما أسمج ما آثرتم من قطيعة الرحم وتضييع الحق ، وهذا مثل قول العربي : أتدري من عصيت ؟ هل تعرف من عاديت ؟ لا يرد بذلك الاستفهام ، ولكن يريد تفظيع الأمر ، قال الشاعر : أترجو بنو مروان سمعي وطاعتي لم يرد الاستفهام ، إنما أراد أن هذا غير مرجو عندهم . قال : ويجوز أن يكون المعنى : هل علمتم عقبى ما فعلتم بيوسف وأخيه من تسليم الله لهما من المكروه ؟ وهذه الآية تصديق قوله : ( لتنبئنهم بأمرهم ) .