ابن الجوزي

197

زاد المسير في علم التفسير

قوله تعالى : ( فبدأ بأوعيتهم ) قال المفسرون : انصرف بهم المؤذن إلى يوسف ، وقال : لا بد من تفتيش أمتعتكم ، ( فبدأ ) يوسف ( بأوعيتهم قبل وعاء أخيه ) لإزالة التهمة ، فلما وصل إلى وعاء أخيه ، قال : ما أظن هذا أخذ شيئا ، فقالوا : والله لا نبرح حتى تنظر في رحله ، فهو أطيب لنفسك . فلما فتحوا متاعه وجدوا الصاع ، فذلك قوله : ( ثم استخرجها ) . وفي هاء الكناية ثلاثة أقوال : أحدها : أنها ترجع إلى السرقة ، قاله الفراء . والثاني : إلى السقاية ، قاله الزجاج . والثالث : إلى الصاع على لغة من يؤنثه ، ذكره ابن الأنباري . قال المفسرون : فأقبلوا على ابن يامين ، وقالوا : أي شئ صنعت ؟ ! فضحتنا وأزريت بأبيك الصديق ، فقال : وضع هذا في رحلي الذي وضع الدراهم في رحالكم ، وقد كان يوسف أخبر أخاه بما يريد أن يصنع به . قوله تعالى : ( كذلك كدنا ليوسف ) فيه أربعة أقوال : أحدها : كذلك صنعنا له ، قاله الضحاك عن ابن عباس . والثاني : احتلنا له ، والكيد : الحيلة ، قاله ابن قتيبة . والثالث : أردنا ليوسف ، ذكره ابن القاسم . والرابع : دبرنا له بأن ألهمناه ما فعل بأخيه ليتوصل إلى حبسه . قال ابن الأنباري : لما دبر الله ليوسف ما دبر من ارتفاع المنزلة وكمال النعمة على غير ما ظن إخوته ، شبه بالكيد من المخلوقين ، لأنهم يسترون ما يكيدون به عمن يكيدونه . قوله تعالى : ( ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك ) في المراد بالدين ها هنا قولان : أحدهما : أنه السلطان ، فالمعنى : في سلطان الملك ، رواه العوفي عن ابن عباس . والثاني : أنه القضاء ، فالمعنى : في قضاء الملك ، لأن قضاء الملك أن من سرق إنما يضرب ويغرم ، قاله أبو صالح عن ابن عباس . وبيانه أنه لو أجرى أخاه على حكم الملك ما أمكنه حبسه ، لأن حكم الملك الغرم والضرب فحسب ، فأجرى الله على ألسنة إخوته أن جزاء السارق الاسترقاق ، فكان ذلك مما كاد الله ليوسف لطفا حتى أظفره بمراده بمشيئة الله ، فذلك معنى قوله [ تعالى ] : ( إلا أن يشاء الله ) . وقيل : إلا أن يشاء الله إظهار علة يستحق بها أخاه . قوله تعالى : ( نرفع درجات من نشاء ) وقرأ يعقوب " يرفع درجات من يشاء " . بالياء فيهما . وقرأ أهل الكوفة " درجات " بالتنوين ، والمعنى : نرفع الدرجات بصنوف العطاء ، وأنواع الكرامات ، وأبواب العلوم ، وقهر الهوى ، والتوفيق للهدى ، كما رفعنا يوسف . ( وفوق كل ذي علم عليم ) أي : فوق كل ذي علم رفعه الله بالعلم من هو أعلم منه حتى ينتهي العلم إلى الله