ابن الجوزي

194

زاد المسير في علم التفسير

أحدها : أنهم كانوا يعيرون يوسف وأخاه بعبادة جدهما أبي أمهما للأصنام ، فقال : لا تبتئس بما كانوا يعملون من التعيير لنا ، روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس . والثاني : لا تحزن بما سيعملون بعد هذا الوقت حين يسرقونك ، فتكون " كانوا " بمعنى " يكونون " قال الشاعر : فأدركت من قد كان قبلي ولم أدع * لمن كان بعدي في القصائد مصنعا وقال آخر : وانضح جوانب قبره بدمائها * فلقد يكون أخا دم وذبائح أراد : فقد كان ، وهذا مذهب مقاتل . والثالث : لا تحزن بما عملوا من حسدنا ، وحرصوا على صرف وجه أبينا عنا ، وإلى هذا المعنى ذهب ابن إسحاق . فلما جهزهم بجهازهم جعل السقاية في رحل أخيه ثم أذن مؤذن أيتها العير إنكم لسارقون ( 70 ) قالوا وأقبلوا عليهم ماذا تفقدون ( 71 ) قالوا نفقد صواع الملك ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم ( 72 ) قوله تعالى : ( فلما جهزهم بجهازهم ) قال المفسرون : أوفى لهم الكيل ، وحمل ل‍ " لابن يامين " بعيرا باسمه كما حمل لهم ، وجعل السقاية في رحل أخيه ، وهي الصواع ، فهما اسمان واقعان على شئ واحد ، كالبر والحنطة ، والمائدة والخوان . وقال بعضهم : الاسم الحقيقي : الصواع ، والسقاية وصف ، كما يقال : كوز ، وإناء ، فالاسم الخاص : الكوز . قال المفسرون : جعل يوسف ذلك الصاع مكيالا لئلا يكال بغيره . وقيل : كال لإخوته بذلك ، إكراما لهم . قالوا : ولما ارتحل إخوة يوسف وأمعنوا ، أرسل الطلب في أثرهم ، فأدركوا وحبسوا ، ( ثم أذن مؤذن ) قال الزجاج : أكثرت الإعلام بالشئ ، يعني : أنه إعلام بعد إعلام . ( أيتها العير ) يريد : أهل العير : فأنث لأنه جعلها للعير . قال الفراء : لا يقال : عير ، إلا لأصحاب الإبل . وقال أبو عبيدة : العير : الإبل المرحولة المركوبة . وقال ابن قتيبة : العير : القوم على الإبل . فإن قيل : كيف جاز ليوسف أن يسرق من لم يسرق ؟ فعنه أربعة أجوبة : أحدها : أن المعنى : إنكم لسارقون يوسف حين قطعتموه عن أبيه وطرحتموه في الجب ، قاله الزجاج .