ابن الجوزي
169
زاد المسير في علم التفسير
فإن قيل : كيف أشارت إليه وهو حاضر بقولها : " فذلكن " ؟ فعنه جوابان ذكرهما ابن الأنباري . أحدهما : أنها أشارت ب " ذلكن " إلى يوسف بعد انصرافه من المجلس . والثاني : أن في الكلام إضمار " هذا " تقديره : فهذا ذلكن . ومعنى " لمتنني فيه " أي : في حبه . ثم أقرت عندهن ، فقالت : ( ولقد راودته عن نفسه فاستعصم ) أي : امتنع . قوله تعالى : ( وليكونن من الصاغرين ) قال الزجاج : القراءة الجيدة تخفيف " وليكونن " والوقوف عليها بالألف ، لأن النون الخفيفة تبدل منهما في الوقف الألف ، تقول : اضربا زيدا ، وإذا وقفت قلت : اضربا . وقد قرئت " وليكونن " بتشديد النون ، وأكرهها ، لخلاف المصحف ، لأن الشديدة لا يبدل منها شئ . والصاغرون : المذلون . قال رب السجن أحب إلي مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين ( 33 ) فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع العليم ( 34 ) قوله تعالى : ( قال رب السجن أحب إلي ) قال وهب بن منبه : لما قالت : " فذلكن الذي لمتنني فيه " قلن : لا لوم عليك ، قالت : فأطلبن إلى يوسف أن يسعفني بحاجتي ، فقلن : يا يوسف افعل ، فقالت : لئن لم يفعل لأخلدنه السجن ، فعند ذلك قال : ( رب السجن أحب إلي ) . وقرأ يعقوب : " السجن " بفتح السين ها هنا فحسب . قال الزجاج : من كسر سين " السجن " فعلى اسم المكان ، فيكون المعنى : نزول السجن أحب إلي من ركوب المعصية ، ومن فتح ، فعلى المصدر ، المعنى : أن أسجن أحب إلي . ( وإلا تصرف عني كيدهن ) أي : إلا تعصمني ( أصب إليهن ) أي : أمل إليهن . يقال : صبا إلى اللهو يصبو صبوا وصبوا وصباء : إذا مال إليه . وقال ابن الأنباري : ومعنى هذا الكلام : اللهم اصرف عني كيدهن ، ولذلك قال : ( فاستجاب له ربه ) . قال : فإن قيل : إنما كادته امرأة العزيز وحدها ، فكيف قال : " كيدهن " ؟ فعنه ثلاثة أجوبة : أحدها : أن العرب توقع الجمع على الواحد ، فيقول قائلهم : خرجت إلى البصرة في السفن ، وهو لم يخرج إلا في سفينة واحدة .