ابن الجوزي

157

زاد المسير في علم التفسير

بها على خمسة أقوال : أحدها : أنه كان من جنس همها ، ولولا أن الله تعالى عصمه لفعل ، وإلى هذا المعنى ذهب الحسن ، وسعيد بن جبير ، والضحاك ، والسدي ، وهو قول عامة المفسرين المتقدمين ، واختاره من المتأخرين جماعة منهم ابن جرير ، وابن الأنباري . وقال ابن قتيبة : لا يجوز في اللغة : هممت بفلان ، وهم بي ، وأنت تريد اختلاف الهمين . واحتج من نصر هذا القول بأنه مذهب الأكثرين من السلف والعلماء الأكابر ، ويدل عليه ما سنذكره من أمر البرهان الذي رآه . قالوا : ورجوعه عما هم به من ذلك خوفا من الله تعالى يمحو عنه سئ الهم ، ويوجب له علو المنازل ، ويدل على هذا الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : أن ثلاثة خرجوا فلجؤوا إلى غار ، فانطبقت عليهم ، فقالوا : ليذكر كل واحد منكم أفضل عمله . فقال أحدهم : اللهم إنك تعلم أنه كانت لي بنت عم فراودتها عن نفسها فأبت إلا بمائة دينار ، فلما أتيت بها وجلست منها مجلس الرجل من المرأة أرعدت وقالت : إن هذا لعمل ما عملته قط ، فقمت عنها وأعطيتها المائة الدينار ، فإن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ، فزال ثلث الحجر . والحديث معروف ، وقد ذكرته في " الحدائق " فعلى هذا نقول : إنما همت ، فترقت همتها إلى العزيمة ، فصارت مصرة على الزنا . فأما هو ، فعارضه ما يعارض البشر من خطرات القلب ، وحديث النفس ، من غير عزم ، فلم يلزمه هذا الهم ذنبا ، فإن الرجل الصالح قد يخطر بقلبه وهو صائم شرب الماء البارد ، فإذا لم يشرب لم يؤاخذ بما هجس في نفسه ، وقد قال عليه السلام " عفي لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل " وقال عليه السلام " هلك المصرون " وليس الإصرار إلا عزم القلب ، فقد فرق بين حديث النفس وعزم القلب . وسئل سفيان الثوري : أيؤاخذ العبد بالهمة ؟ فقال : إذا كانت عزما ، ويؤيده الحديث الصحيح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يقول الله تعالى : إذا هم عبدي بسيئة ولم يعملها لم أكتبها عليه ، فإن عملها كتبتها عليه سيئة " . واحتج القاضي أبو يعلى على أن همته لم تكن من جهة العزيمة ، وإنما كانت من جهة دواعي الشهوة بقوله : " قال معاذ الله إنه ربي " وقوله : ( كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء ) وكل ذلك إخبار ببراءة ساحته من العزيمة على المعصية ، [ وعلى هذا تكون همته مجرد خاطر لم يخرج إلى العزم ] * . فإن قيل : فقد سوى القرآن بين الهمتين ، فلم فرقتم ؟