ابن الجوزي

158

زاد المسير في علم التفسير

فالجواب : أن الاستواء وقع في بداية الهمة ، ثم ترقت همتها إلى العزيمة ، بدليل مراودتها واستلقائها بين يديه ، ولم تتعد همته مقامها ، بدليل هربه منها ، وقوله : " معاذ الله " [ وعلى ] ما يروى عن المفسرين أنه حل السراويل وقعد منها مقعد الرجل ، فإنه لو كان هذا ، دل ، على العزم ، والأنبياء معصومون من العزم على الزنا . والقول الثاني : أنها همت به أن يفترشها ، وهم بها ، أي : تمناها أن تكون له زوجة ، رواه الضحاك عن ابن عباس . والقول الثالث : أن في الكلام تقديما وتأخيرا ، تقديره : ولقد همت به ، ولولا أن رأى برهان ربه لهم بها فلما رأى البرهان ، لم يقع منه الهم ، فقدم جواب " لولا " عليها ، كما يقال : قد كنت من الهالكين ، لولا أن فلانا خلصك لكنت من الهالكين ، ومنه قول الشاعر : فلا يدعني قومي صريحا لحرة * لئن كنت مقتولا وتسلم عامر أراد : لئن كنت مقتولا وتسلم عامر ، فلا يدعني قومي ، فقدم الجواب . وإلى هذا القول ذهب قطرب ، وأنكره قوم ، منهم ابن الأنباري ، وقالوا : تقديم جواب " لولا " عليها شاذ مستكره ، لا يوجد في فصيح كلام العرب ، فأما البيت المستشهد به ، فمن اضطرار الشعراء ، لأن الشاعر يضيق الكلام به عند اهتمامه بتصحيح أجزاء شعره ، فيضع الكلمة في غير موضعها ، ويقدم ما حكمه التأخير ، ويؤخر ما حكمه التقديم ، ويعدل عن الاختيار إلى المستقبح للضرورة ، قال الشاعر : وجزى ربه عني عدي بن حاتم * بتركي وخذلاني جزاء موفرا تقديره : جزى عني عدي بن حاتم ربه ، فاضطر إلى تقديم الرب ، وقال الآخر : لما جفا إخوانه مصعبا * أدى بذاك البيع صاعا بصاع أراد : لما جفا مصعبا إخوانه ، وأنشد الفراء : طلبا لعرفك يا ابن يحيى بعدما * تتقطعت بي دونك الأسباب فزاد تاء على تاء " تقطعت " لا أصل لها ليصلح وزن شعره ، وأنشد ثعلب : إن شكلي وإن شكلك شتى * فالزمي الخفش وانعمي تبيضضي فزاد ضادا لا أصل لها لتكمل أجزاء البيت ، وقال الفرزدق : هما تفلا في في من فمويهما * على النابح العاوي أشد لجاميا