ابن الجوزي
134
زاد المسير في علم التفسير
فالجواب أنا إن قلنا : إن الحق النبوة ، فالإشارة ب " هذه " إلى الدنيا ، فيكون المعنى : وجاءك في هذه الدنيا النبوة ، فيرتفع الإشكال . وإن قلنا : إنها السورة ، فعنه أربعة أجوبة : أحدها : أن المراد بالحق البيان ، وهذه السورة جمعت من تبيين إهلاك الأمم ، وشرح مآلهم ، ما لم يجمع غيرها ، فبان أثر التخصيص ، وهذا مذهب بعض المفسرين . والثاني : أن بعض الحق أوكد من بعض في ظهوره عندنا وخفائه علينا ، ولهذا يقول الناس : فلان في الحق ، إذا كان في الموت ، وإن لم يكن قبله في باطل ، ولكن لتعظيم ما هو فيه ، فكأن الحق المبين في هذه السورة أجلى من غيره ، وهذا مذهب الزجاج . والثالث : أنه خص هذه السورة بذلك لبيان فضلها ، وإن كان في غيرها حق أيضا ، فهو كقوله [ عز وجل ] : ( والصلاة الوسطى ) ، وقوله [ عز وجل ] : ( وجبريل وميكال ) ، وهذا مذهب ابن الأنباري . والرابع : أن المعنى : وجاءك في هذه السورة الحق مع ما جاءك من سائر السور ، قاله ابن جرير الطبري . قوله تعالى : ( وموعظة وذكرى للمؤمنين ) أي : يتعظون إذا سمعوا هذه السورة وما نزل بالأمم فتلين قلوبهم . وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم إنا عاملون ( 121 ) وانتظروا إنا منتظرون ( 122 ) قوله تعالى : ( وقل للذين لا يؤمنون اعملوا على مكانتكم ) هذا تهديد ووعيد ، والمعنى : اعملوا ما أنتم عاملون ، فستعلمون عاقبة أمركم ، ( وانتظروا ) ما يعدكم الشيطان ( إنا منتظرون ) ما يعدنا ربنا . فصل قال المفسرون : وهذه الآية اقتضت تركهم على أعمالهم ، والاقتناع بإنذارهم ، وهي منسوخة بآية السيف . واعلم أنه إذا قلنا : إن المراد بالآية التهديد ، لم يتوجه نسخ .