ابن الجوزي
110
زاد المسير في علم التفسير
فلما رأت الملائكة ما يلقى من الكرب ، قالوا : يا لوط إنا رسل ربك ، فافتح الباب ودعنا وإياهم ، ففتح الباب ، فدخلوا ، واستأذن جبريل ربه في عقوبتهم ، فأذن له ، فضرب بجناحه وجوههم فأعماهم ، فانصرفوا يقولون : النجاء النجاء ، فإن في بيت لوط أسحر قوم في الأرض ، وجعلوا يقولون : يا لوط ، كما أنت حتى تصبح ، يوعدونه ، فقال لهم لوط : متى موعد هلاكهم ؟ قالوا : الصبح ، قال : لو أهلكتموهم الآن ، فقالوا : أليس الصبح بقريب ؟ وقال أبو صالح عن ابن عباس : إنهم لما تواعدوه ، قال في نفسه : ينطلق هؤلاء القوم غدا من عندي ، وأبقى مع هؤلاء فيهلكوني ، فقال : لو أن لي بكم قوة . قلت : وإنما يتوجه هذا إذا قلنا : إنه كان قبل علمه أنهم ملائكة . وقال قوم : إنه إنما قال هذا لما كسروا بابه وهجموا عليه . وقال آخرون : لما نهاهم عن أضيافه فأبوا قال هذا . وفي الجملة ، ما أراد بالركن نصر الله وعونه ، لأنه لم يخل من ذلك ، وإنما ذهب إلى العشيرة والأسرة . وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " رحم الله لوطا ، لقد كان يأوي إلى ركن شديد ، وما بعث الله نبيا بعده إلا في ثروة من قومه " . قوله تعالى : ( لن يصلوا إليك ) قال مقاتل : فيه إضمار ، تقديره : لن يصلوا إليك بسوء ، وذلك أنهم قالوا للوط : إنا نرى معك رجالا سحروا أبصارنا ، فستعلم غدا ما تلقى أنت وأهلك ، فقال له جبريل : ( إنا رسل ربك لن يصلوا إليك ) . قوله تعالى : ( فأسر بأهلك ) قرأ عاصم ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وحمزة ، والكسائي " فأسر " بإثبات الهمز في اللفظ من أسريت . وقرأ ابن كثير ، ونافع " فاسر بأهلك " بغير همز من سريت ، وهما لغتان . قال الزجاج : يقال : سريت ، وأسريت : إذا سرت ليلا ، قال الشاعر : سريت بهم حتى تكل مطيهم * وحتى الجياد ما يقدن بأرسان وقال النابغة : أسرت عليه من الجوزاء سارية * تزجي الشمال عليه جامد البرد وقد رووه : سرت فأما أهله ، فقال مقاتل : هم امرأته وابنتاه ، واسم ابنتيه : ربثا وزعرثا . وقال السدي : اسم الكبرى : رية ، واسم الصغرى : عروبة ، والمراد بأهله : ابنتاه . فأما القطع ، فهو بمعنى القطعة ، يقال : مضى قطع من الليل ، أي : قطعة . قال ابن عباس : يريد به : آخر الليل . وقال ابن قتيبة : " بقطع " أي : ببقية تبقي من آخره . وقال ابن الأنباري : ذكر القطع بمعنى القطعة مختص بالليل ، ولا يقال : عندي قطع من الثوب ، بمعنى : عندي قطعة .