ابن الجوزي

321

زاد المسير في علم التفسير

* ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين ( 75 ) قوله تعالى : ( ومنهم من عاهد الله ) في سبب نزولها أربعة أقوال : أحدها : أن ثعلبة بن حاطب الأنصاري ، أتى رسول الله فقال : يا رسول الله ، ادع الله أن يرزقني مالا ، فقال : " ويحك يا ثعلبة ، قليل تؤدي شكره ، خير من كثير لا تطيقه " قال : ثم قال مرة أخرى ، فقال : " أما ترضى أن تكون مثل نبي الله ؟ فوالذي نفسي بيده ، لو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا وفضة ، لسارت " فقال : والذي بعثك بالحق ، لئن دعوت الله أن يرزقني مالا ، لأوتين كل ذي حق حقه . فقال رسول الله : " اللهم ارزق ثعلبة مالا " فاتخذ غنما ، فنمت ، فضاقت عليه المدينة ، فتنحى عنها ، ونزل واديا من أوديتها ، حتى جعل يصلي الظهر والعصر في جماعة ، ويترك ما سواهما . ثم نمت ، حتى ترك الصلوات إلا الجمعة ، ثم نمت ، فترك الجمعة . فسأل عنه رسول الله ، فأخبر خبره ، فقال : " يا ويح ثعلبة ، يا ويح ثعلبة ، يا ويح ثعلبة " فأنزل الله تعالى : ( خذ من أموالهم صدقة ) وأنزل فرائض الصدقة ، فبعث رسول الله رجلين على الصدقة ، وكتب لهما كتابا يأخذان الصدقة ، وقال : " مرا بثعلبة ، وبفلان " رجل من بني سليم ، فخرجا حتى أتيا ثعلبة ، فسألاه الصدقة ، وأقرآه كتاب رسول الله ، فقال : ما هذا إلا جزية ، ما هذه إلا أخت الجزية ، ما أدري ما هذا ، انطلقا حتى تفرغا ثم تعودا إلي . فانطلقا ، فأخبر السلمي ، فاستقبلهما بخيار ماله ، فقالا : لا يجب هذا عليك ، فقال : خذاه ، فإن نفسي بذلك طيبة ، فأخذا منه . فلما فرغا من صدقتهما ، مرا بثعلبة ، فقال : أروني كتابكما ، فقال : ما هذه إلا أخت الجزية ، انطلقا حتى أرى رأيي ، فانطلقا ، فأخبرا رسول الله بما كان ، فنزلت هذه الآية إلى قوله [ تعالى ] : ( بما كانوا يكذبون ) ، وكان عند رسول الله رجل من أقارب ثعلبة ، فخرج إلى ثعلبة ، فأخبره ، فأتى رسول الله ، وسأله أن يقبل منه صدقته ، فقال : " إن الله قد منعني أن أقبل صدقتك " ، فجعل يحثو التراب على رأسه . فقال : " هذا عملك ، قد أمرتك فلم تطعني " . فرجع إلى منزله ، وقبض رسول الله ، ولم يقبل منه شيئا ، فلما ولي أبو بكر ، سأله أن يقبل منه ، فأبى ، فلما ولي عمر ، سأله أن يقبل منه ، فأبى ، فلما ولي عثمان ، سأله أن يقبلها ، فقال : لم يقبلها رسول الله ولا أبو بكر ولا عمر ، فلم يقبلها ، وهلك ثعلبة في خلافة عثمان . روى هذا الحديث القاسم عن أبي أمامة الباهلي وقال ابن عباس : مر ثعلبة على مجلس ، فأشهدهم على نفسه : لئن آتاني الله من فضله ، آتيت كل ذي حق حقه ، وفعلت كذا وكذا . فآتاه الله