ابن الجوزي

238

زاد المسير في علم التفسير

والثاني : وما كان الله ليعذبهم وأنت حي ، قاله أبو سليمان . والثاني : أن المشار إليهم المؤمنون ، والمعنى : وما كان الله ليعذب المؤمنين بضرب من العذاب الذي أهلك به من قبلهم وأنت حي ، ذكره أبو سليمان الدمشقي . فصل قال الحسن ، وعكرمة : هذه الآية منسوخة بقوله [ تعالى ] : ( وما لهم ألا يعذبهم الله ) ، وفيه بعد ، لأن النسخ لا يدخل على الأخبار . وقال ابن أبزى : كان النبي صلى الله عليه وسلم بمكة ، فأنزل الله عز وجل ( وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم ) فخرج إلى المدينة ، فأنزل الله ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) وكان أولئك البقية من المسلمين بمكة يستغفرون ! فلما خرجوا أنزل الله ( وما لهم ألا يعذبهم الله ) . وجميع أقوال المفسرين تدل على أن قوله : [ تعالى ] : ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) ، كلام مبتدأ من إخبار الله عز وجل . وقد روي عن محمد بن إسحاق أنه قال : هذه الآية من قول المشركين ، قالوا : والله إن الله لا يعذبنا ونحن نستغفر ، فرد الله تعالى : عليهم ذلك بقوله : ( وما لهم ألا يعذبهم الله ) . قوله تعالى : ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون ) وفي معنى هذا الكلام خمسة أقوال : أحدها : وما كان الله معذب المشركين ، وفيهم من قد سبق له أن يؤمن ، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس ، واختاره الزجاج . والثاني : وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون الله ، فإنهم كانوا يلبون ويقولون : غفرانك ، وهذا مروي عن ابن عباس أيضا ، وفيه ضعف ، لأن استغفار المشرك لا أثر له في القبول . والثالث : وما كان الله معذبهم ، يعني المشركين ، وهم - يعني المؤمنين الذين بينهم - يستغفرون ، روي عن ابن عباس أيضا ، وبه قال الضحاك ، وأبو مالك . قال ابن الأنباري : وصفوا بصفة بعضهم ، لأن المؤمنين بين أظهرهم ، فأوقع العموم على الخصوص ، كما يقال : قتل أهل المسجد رجلا ، وأخذ أهل البصرة فلانا ، ولعله لم يفعل ذلك إلا رجل واحد . والرابع : وما كان الله معذبهم وفي أصلابهم من يستغفر [ الله ] ، قاله مجاهد . قال ابن الأنباري : فيكون معنى تعذيبهم : إهلاكهم ، فالمعنى : وما كان الله مهلكهم ، وقد سبق في علمه أنه يكون لهم أولاد يؤمنون به ويستغفرونه ، فوصفهم بصفة ذراريهم ، وغلبوا عليهم كما غلب بعضهم على كلهم في الجواب الذي قبله . والخامس : أن المعنى لو استغفروا لما عذبهم الله ، ولكنهم لم يستغفروا فاستحقوا العذاب ، وهذا كما تقول العرب : ما كنت لأهينك وأنت تكرمني ، يريدون : ما كنت لأهينك لو أكرمتني ، فأما إذ لست تكرمني ، فإنك مستحق لإهانتي ، وإلى هذا القول ذهب قتادة والسدي . قال ابن الأنباري :