ابن الجوزي

194

زاد المسير في علم التفسير

أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون ( 173 ) قوله تعالى : ( أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم ) فاتبعنا منهاجهم على جهل منا بآلهيتك ( أفتهلكنا بما فعل المبطلون ) في دعواهم أن معك إلها ، فقطع الله احتجاجهم بمثل هذا ، إذ أذكرهم أخذ الميثاق على كل واحد منهم . وجماعة أهل العلم على ما شرحنا من أنه استنطق الذر ، وركب فيهم عقولا وأفهاما عرفوا بها ما عرض عليهم . وقد ذكر بعضهم أن معنى أخذ الذرية : إخراجهم إلى الدنيا بعد كونهم نطفا ، ومعنى إشهادهم على أنفسهم : اضطرارهم إلى العلم بأنه خالقهم بما أظهر لهم من الآيات والبراهين . ولما عرفوا ذلك ودعاهم كل ما يرون ويشاهدون إلى التصديق ، كانوا بمنزلة الشاهدين والمشهدين على أنفسهم بصحته ، كما قال : ( شاهدين على أنفسهم بالكفر ) يريدهم بمنزلة الشاهدين ، وإن لم يقولوا : نحن كفرة ، كما يقول الرجل : قد شهدت جوارحي بصدقك ، أي : قد عرفته . ومن هذا الباب قوله [ تعالى ] : ( شهد الله ) أي : بين وأعلم وقد حكى نحو هذا القول ابن الأنباري ، والأول أصح ، لموافقة الآثار . وكذلك نفصل الآيات ولعلهم يرجعون ( 174 ) قوله تعالى : ( وكذلك نفصل الآيات ) أي : وكما بينا في أخذ الميثاق الآيات ، ليتدبرها العباد فيعملوا بموجبها . ( ولعلهم يرجعون ) أي : ولكي يرجعوا عما هم عليه من الكفر إلى التوحيد . واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ( 175 ) قوله تعالى : ( واتل عليهم ) قال الزجاج : هذا نسق على ما قبله ، والمعنى : أتل عليهم إذ أخذ ربك ، ( واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا ) وفيه ستة أقوال : أحدها : أنه رجل من بني إسرائيل يقال له : بلعم بن أبر ، قاله ابن مسعود . وقال ابن عباس : بلعم بن باعوراء . وروي عنه : أنه بلعام بن باعور ، وبه قال مجاهد ، وعكرمة ، والسدي . وروى العوفي عن ابن عباس أن بلعما من أهل اليمن . وروى عنه ابن أبي طلحة أنه من مدينة الجبارين . والثاني : أنه أمية بن أبي الصلت ، قاله عبد الله بن عمرو بن العاص ، وسعيد بن المسيب ، وأبو روق ، وزيد بن أسلم ، وكان أمية قد قرأ الكتب ، وعلم أن الله مرسل رسولا ، ورجا أن يكون