ابن الجوزي

168

زاد المسير في علم التفسير

تزعم ، فاملأ لنا نيل مصر ، فقال غدوة يصبحكم الماء ، فلما خرجوا من عنده ، قال : أي شئ صنعت ؟ أنا أقدر أن أجئ بالماء في نيل مصر غدوة أصبح ، فيكذبوني ؟ ! فلما كان جوف الليل ، اغتسل ، ثم لبس مدرعة من صوف ، ثم خرج حافيا حتى أتى بطن نيل مصر فقام في بطنه ، فقال : اللهم إنك تعلم أني أعلم أنك تقدر أن تملأ نيل مصر ماء ، فاملأه ، فما علم إلا بخرير الماء لما أراد الله به من الهلكة . قلت : وهذا الحديث بعيد الصحة ، لأن الرجل كان دهريا لا يثبت إلها . ولو صح ، كان إقراره بذلك كإقرار إبليس ، وتبقى مخالفته عنادا . فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله ولكن أكثرهم لا يعلمون ( 131 ) قوله تعالى : ( فإذا جاءتهم الحسنة ) وهي الغيث والخصب وسعة الرزق والسلامة ( قالوا لنا هذه ) أي : نحن مستحقوها على ما جرى لنا من العادة في سعة الرزق ، ولم يعلموا أنه من الله فيشكروا عليه . ( وإن تصبهم سيئة ) وهي القحط والجدب والبلاء ( يطيروا بموسى ومن معه ) أي : يتشاءموا بهم . وكانت العرب تزجر الطير ، فتتشاءم بالبارح ، وهو الذي يأتي من جهة الشمال ، وتتبرك بالسانح ، وهو الذي يأتي من جهة اليمين . قوله تعالى : ( ألا إنما طائرهم عند الله ) قال أبو عبيدة : " ألا " تنبيه وتوكيد ومجاز . " طائرهم " حظهم ونصيبهم وقال ابن عباس " ألا إنما طائرهم عند الله " أي : إن الذي أصابهم من الله . وقال الزجاج : المعنى : ألا إن الشؤم الذي يلحقهم هو الذي وعدوا به في الآخرة ، لا ما ينالهم في الدنيا . وقالوا مهما تأتنا به من آية لتسحرنا بها فما نحن لك بمؤمنين ( 132 ) فأرسلنا عليهم الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوما مجرمين ( 133 ) قوله تعالى : ( وقالوا مهما ) قال الزجاج : زعم النحويون أن أصل " مهما " ماما ، ولكن أبدل من الألف الأولى الهاء ليختلف اللفظ ، ف‍ " ما " الجزاء ، و " ما " الثانية هي التي تزاد تأكيدا للجزاء ، ودليل النحويين على ذلك أنه ليس شئ من حروف الجزاء إلا و " ما " تزاد فيه ، قال الله [ عز وجل ] ( فأما تثقفنهم ) كقولك : إن تثقفنهم ، وقال : ( وإما تعرضن عنهم ) ، وتكون " ما " الثانية للشرط والجزاء ، والتفسير الأول هو الكلام ، وعليه استعمال الناس . قال ابن الأنباري : فعلى قول من