ابن الجوزي
144
زاد المسير في علم التفسير
ذلك ، كما يظهر قدرته في قول : ( كن فيكون ) . والرابع : أنه علم عباده التثبت ، فإذا تثبت من لا يزل ، كان ذو الزلل أولى بالتثبت . والخامس : أن ذلك الإمهال في خلق شئ بعد شئ ، أبعد من أن يظن أن ذلك وقع بالطبع أو بالاتفاق . قوله تعالى : ( ثم استوى على العرش ) قال الخليل بن أحمد : العرش : السرير ، وكل سرير لملك يسمى عرشا ، وقلما يجمع العرش إلا في اضطرار ، واعلم أن ذكر العرش مشهور عند العرب في الجاهلية والإسلام . قال أمية بن أبي الصلت : مجدوا الله فهو للمجد أهل * ربنا في السماء أمسى كبيرا بالبناء الأعلى الذي سبق الناس * وسوى فوق السماء سريرا شرجعا لا يناله ناظر العين * ترى دونه الملائك صورا وقال كعب : إن السماوات في العرش كالقنديل معلق بين السماء والأرض . وروى إسماعيل بن أبي خالد ، عن سعد الطائي قال : العرش ياقوتة حمراء . وإجماع السلف منعقد على أن لا يزيدوا على قراءة الآية . وقد شذ قوم فقالوا : العرش بمعنى الملك . وهذا عدول عن الحقيقة إلى التجوز ، مع مخالفة الأثر ، ألم يسمعوا قوله [ عز وجل ] : ( وكان عروشه على الماء ) أتراه كان الملك على الماء ؟ وكيف يكون الملك ياقوتة حمراء ؟ وبعضهم يقول : استوى بمعنى استولى ، ويحتج بقول الشاعر : حتى استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق ويقول الشاعر أيضا : هما استويا بفضلهما جميعا * على عرش الملوك بغير زور وهذا منكر عند اللغويين . قال ابن الأعرابي : العرب لا تعرف استوى بمعنى استولى ، ومن قال ذلك فقد أعظم . قالوا : وإنما يقال : استولى فلان على كذا ، إذا كان بعيدا عنه غير متمكن منه ، ثم تمكن منه ، والله عز وجل لم يزل مستوليا على الأشياء ، والبيتان لا يعرف قائلهما ، كذا قال ابن فارس اللغوي . ولو صحا ، فلا حجة فيهما لما بينا من استيلاء من لم يكن مستوليا . نعوذ بالله من تعطيل الملحدة وتشبيه المجسمة . قوله تعالى : ( يغشي الليل النهار ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر : " يغشي " ساكنة الغين خفيفة . وقرأ حمزة ، والكسائي ، وأبو بكر عن عاصم : " يغشي " مفتوحة الغين مشددة ،