ابن الجوزي
115
زاد المسير في علم التفسير
قال الفراء : والمراد بموازينه ، وزنه . والعرب تقول : هل لك في درهم بميزان درهمك ، ووزن درهمك ، ويقولون : داري بميزان دارك ، ووزن دارك ، ويريدون : حذاء دارك . قال الشاعر : قد كنت قبل لقائكم ذا مرة * عندي لكم مخاصم ميزانه يعني : مثل كلامه ولفظه . فصل والقول بالميزان مشهور في الحديث ، وظاهر القرآن ينطق به . وأنكرت المعتزلة ذلك ، وقالوا : الأعمال أعراض ، فكيف توزن ؟ فالجواب : أن الوزن يرجع إلى الصحائف ، بدليل حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إن الله عز وجل يستخلص رجلا من أمتي على رؤوس الناس يوم القيامة ، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلا ، كل سجل مد البصر ، ثم يقول له : أتنكر من هذا شيئا ؟ أظلمتك كتبتي الحافظون ؟ فيقول : لا يا رب . فيقول : ألك عذر أو حسنة ؟ فيبهت الرجل ، فيقول : لا يا رب ، فيقول : بلى ، إن لك عندنا حسنة واحدة ، لا ظلم عليك اليوم ، فيخرج له بطاقة فيها : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله ، فتوضع السجلات في كفة ، والبطاقة في كفة ، قال : فطاشت السجلات وثقلت البطاقة " أخرجه أحمد في " مسنده " ، والترمذي وروى أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : " يؤتى بالرجل الطويل الأكول الشروب ، فلا يزن جناح بعوضة " ، فعلى هذا يوزن الإنسان . قال ابن عباس : توزن الحسنات والسيئات في ميزان ، له لسان وكفتان . فأما المؤمن ، فيؤتى بعمله في أحسن صورة ، فيوضع في كفة الميزان ، فتثقل حسناته على سيئاته ، وأما الكافر ، فيؤتى بعمله في أقبح صورة ، فيوضع في كفة الميزان ، فيخف وزنه . وقال الحسن : للميزان لسان وكفتان . وجاء في الحديث : أن داود عليه السلام سأل ربه أن يريه الميزان ، فأراه إياه ، فقال : يا إلهي ، من يقدر أن يملأ كفتيه حسنات ؟ فقال : يا داود ، إني إذا رضيت عن عبدي ، ملأتها بتمرة . وقال حذيفة : جبريل صاحب الميزان يوم القيامة يقول له ربه : زن بينهم ، ورد من بعضهم على بعض ، فيرد على المظلوم من الظالم ما وجد له من حسنة . فإن لم تكن له حسنة ، أخذ من سيئات المظلوم ، فرد على سيئات الظالم ، فيرجع وعليه مثل الجبل . فإن قيل : أليس الله عز وجل يعلم مقادير الأعمال ، فما الحكمة في وزنها ؟ فالجواب أن فيه