ابن الجوزي

23

زاد المسير في علم التفسير

كانوا يتخوفون من هذه الآية . وقال قتادة : هذه الآية نعت المنافق ، يعرف بلسانه ، وينكر بقلبه ، ويصدق بلسانه ، ويخالف بعمله ، ويصبح على حالة ويمسي على غيرها ، ويتكفأ تكفؤ السفينة ، كلما هبت ريح هب معها . يخدعون الله والذين آمنوا وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون ( 9 ) قوله [ تعالى ] : ( يخادعون الله ) . قال ابن عباس : كان عبد الله بن أبي ، ومعتب بن قشير ، والجد بن القيس ، إذا لقوا الذين آمنوا قالوا : آمنا ، ونشهد أن صاحبكم صادق ، فإذا خلوا لم يكونوا كذلك ، فنزلت هذه الآية . فأما التفسير ، فالخديعة : الحيلة والمكر ، وسميت خديعة ، لأنها تكون في خفاء . والمخدع : بيت داخل البيت تختفي فيه المرأة ، ورجل خادع : إذا فعل الخديعة ، سواء حصل مقصوده أو لم يحصل ، فإذا حصل مقصوده ، قيل : قد خدع . وانخدع الرجل : استجاب للخادع ، حدثنا سواء تعمد الاستجابة أو لم يقصدها ، والعرب تسمي الدهر خداعا ، لتلونه بما يخفيه من خير وشر . وفي معنى خداعهم الله خمسة أقوال : أحدها : أنهم كانوا يخادعون المؤمنين ، فكأنهم خادعوا الله . روي عن ابن عباس ، واختاره ابن قتيبة . والثاني : أنهم كانوا يخادعون نبي الله ، فأقام الله نبيه مقامه ، كما قال : ( إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله ) قاله الزجاج . والثالث : أن الخادع عند العرب : الفاسد . وأنشدوا : طيب اللون إذا الريق خدع أي : فسد . رواه محمد بن القاسم عن ثعلب عن ابن الأعرابي . قال ابن القاسم : فتأويل : يخادعون الله : يفسدون ما يظهرون من الايمان بما يضمرون من الكفر . والرابع : أنهم كانوا يفعلون في دين الله ما لو فعلوه بينهم كان خداعا . والخامس : أنهم كانوا يخفون كفرهم ، ويظهرون الإيمان به . قوله [ تعالى ] : ( وما يخدعون إلا أنفسهم ) قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو : ( وما يخادعون ) وقرأ الكوفيون ، وابن عامر : ( يخدعون ) * والمعنى : أن وبال ذلك الخداع عائد عليهم . ومتى يعود وبال خداعهم عليهم ؟ فيه قولان :