ابن الجوزي

302

زاد المسير في علم التفسير

قاله آخر : عجبت لها أنى يكون غناؤها * فصيحا ولم تفتح بمنطقها فما فجعل لها غناء وفما على جهة الاستعارة . والجواب الثاني : أن الله تعالى أنزله مختبرا به عباده ، ليقف المؤمن عنده ، ويرده إلى عالمه ، فيعظم بذلك صوابه ، ويرتاب به المنافق ، فيداخله الزيغ ، فيستحق بذلك العقوبة ، كما ابتلاهم بنهر طالوت . والثالث : أن الله تعالى أراد أن يشغل أهل العلم بردهم المتشابه إلى المحكم فيطول بذلك فكرهم ، ويتصل بالبحث عنه اهتمامهم فيثابون على تعبهم ، كما أثيبوا على سائر عباداتهم ، ولو جعل القرآن كله محكما لاستوى فيه العالم والجاهل ، ولم يفضل العالم على غيره ، ولماتت الخواطر ، وإنما تقع الفكرة والحيلة مع الحاجة إلى الفهم ، وقد قال الحكماء : عيب الغنى : أنه يورث البلادة ، وفضل الفقر : أنه يبعث على الحيلة ، لأنه إذا احتاج احتال . والرابع : أن أهل كل صناعة يجعلون في علومهم معاني غامضة * ومسائل دقيقة ليحرجوا غير بها من يعلمون ، ويمرنوهم على انتزاع الجواب ، لأنهم إذا قدروا على الغامض ، كانوا على الواضح أقدر ، فلما كان ذلك حسنا عند العلماء ، جاز أن يكون ما أنزل الله تعالى من المتشابه على هذا النحو ، وهذه الأجوبة معنى ما ذكره ابن قتيبة وابن الأنباري . قوله [ تعالى ] : ( فأما الذين في قلوبهم زيغ ) في الزيغ قولان : أحدهما : أنه الشك ، قاله مجاهد ، والسدي . والثاني : أنه الميل ، قاله أبو مالك وعن ابن عباس كالقولين : وقيل : هو الميل عن الهدى . وفي هؤلاء القوم أربعة أقوال : أحدها : انهم الخوارج ، قاله الحسن : والثاني : المنافقون ، قاله ابن جريج . والثالث : وفد نجران من النصارى ، قاله الربيع . والرابع : اليهود ، طلبوا معرفة بقاء هذه الأمة من حساب الجمل ، قاله ابن السائب . قوله [ تعالى ] : ( فيتبعون ما تشابه منه ) قال ابن عباس : يحيلون المحكم على المتشابه ، والمتشابه على المحكم ، ويلبسون . وقال السدي : يقولون : ما بال هذه الآية عمل بها كذا وكذا ، ثم نسخت وفي المراد بالفتنة ها هنا ، ثلاثة أقوال : أحدها : أنها الكفر ، قاله السدي ، والربيع ، ومقاتل ، وابن قتيبة . والثاني : الشبهات ، قاله مجاهد .