ابن الجوزي
257
زاد المسير في علم التفسير
بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء والله واسع عليم ( 247 ) قوله [ تعالى ] : ( وقال لهم نبيهم إن الله قد بعث لكم طالوت ملكا ) ذكر أهل التفسير أن نبي بني إسرائيل سأل الله أن يبعث لهم ملكا ، فأتى بعصا وقرن فيه دهن ، وقيل له : إن صاحبكم الذي يكون ملكا يكون طوله طول هذه العصا ، ومتى دخل عليك رجل فنشق ، الدهن ، فهو ملك ، فادهن به رأسه ، وملكه على بني إسرائيل ، فقاس القوم أنفسهم بالعصا ، فلم يكونوا على مقدارها . قال عكرمة ، والسدي : كان طالوت سقاء يسقي على حمار له ، فضل حماره ، فخرج يطلبه . وقال وهب : بل كان دباغا يعمل الأدم ، فضلت حمر لأبيه فأرسل مع غلام له في طلبها ، فمر ببيت شمويل النبي [ صلى الله عليه وآله وسلم ] ، فدخلا ليسألاه عن ضالتهما ، فنشق الدهن ، فقام شمويل ، فقاس طالوت بالعصا ، وكان على مقدارها ، فدهنه ، ثم قال له : أنت ملك بني إسرائيل ، فقال طالوت : أما علمت أن سبطي أدنى أسباط بني إسرائيل ، وبيتي أدنى بيوتهم ؟ قال : بلى . قال : فبأي آية ؟ قال : بأنك ترجع وقد وجد أبوك حمره ، فكان كما قال . قال الزجاج : طالوت ، وجالوت ، وداود لا تنصرف ، لأنها أسماء أعجمية ، وهي معارف ، فاجتمع فيها التعريف والعجمة . ومعنى قوله [ تعالى ] : ( أنى له الملك ) من أي جهة يكون له الملك علينا . قال ابن عباس : إنما قالوا ذلك ، لأنه كان في بني إسرائيل سبطان ، في أحدهما النبوة ، وفي الآخر الملك ، فلم يكن هو من أحد السبطين . قال قتادة . كانت النبوة في سبط لاوي ، والملك في سبط يهوذا . قوله [ تعالى ] : ( ولم يؤت سعة من المال ) أي : لم يؤت ما يتملك به الملوك . ( قال إن الله اصطفاه عليكم ) أي : اختاره ، وهو " افتعل " من الصفوة . والبسطة : السعة ، قال ابن قتيبة : هو من قولك : بسطت الشئ : إذا كان مجموعا ، ففتحته ، ووسعته . قال ابن عباس : كان طالوت أعلم بني إسرائيل بالحرب ، وكان يفوق الناس بمنكبيه وعنقه ورأسه . وهل كانت هذه الزيادة قبل الملك ، أم أحدثت له بعد ؟ فيه قولان : أحدهما : قبل الملك ، قاله وهب ، والسدي . والثاني : بعد الملك ، قاله ابن زيد . والمراد بتعظيم الجسم ، فضل القوة ، إذ العادة أن من كان أعظم جسما ، كان أكثر قوة والواسع : الغني . وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة إن في ذلك لآية لكم إن كنتم مؤمنين ( 248 )